أصدرت الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية بناءً على مقترح وزارة المالية، تعميماً يقضي باتخاذ حزمة من إجراءات ضبط وترشيد الإنفاق العام، بهدف تعزيز الانضباط المالي، والمحافظة على توازن الموازنة العامة، ورفع كفاءة استخدام الموارد المتاحة.
وتأتي الإجراءات استجابةً للمتغيّرات الجيوسياسية والإقليمية الراهنة، وما يرافقها من ضغوط على كلف الطاقة والنقل وتأمين الاحتياجات الأساسية، وتهدف إلى الحد من النفقات غير الضرورية، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق والمشاريع الاستثمارية، وتوجيه الموارد إلى المجالات الأكثر أهمية.
وأكدت وزارة المالية أن ترشيد الإنفاق يرتبط برفع كفاءة الإنفاق وحسن استخدام الموارد المتاحة، مع الحفاظ على الرواتب والأجور والنفقات الضرورية لاستمرار عمل الجهات العامة، بما فيها النفقات المرتبطة بالصحة والتعليم والمياه والطاقة والأمن والسلامة العامة والصيانة التشغيلية الضرورية.
كما تشمل الإجراءات مراجعة المشاريع الاستثمارية وتوجيه الموارد إلى المشاريع ذات الأولوية والأثر المباشر، مع تأجيل ما يمكن تأجيله من دون التأثير الجوهري في الخدمات أو النشاط الاقتصادي، بما يعزّز قدرة الموازنة العامة على مواجهة المتغيّرات والضغوط الراهنة، ويحافظ على الاستدامة المالية وحسن إدارة المال العام.
الخبير في الاستراتيجيات المالية والمخاطر الدكتور صالح أشرم أكد لـ”الوطن” أنه في البداية لا بد من التمييز بين الإنفاق الجاري والإنفاق الاستثماري، مشيراً إلى أن الإنفاق الجاري ليس كتلة واحدة غير قابلة للترشيد، إذ توجد نفقات جارية أساسية، كالرواتب والصحة والتعليم والطاقة والمياه والصيانة الضرورية، يصعب خفضها من دون التأثير في جودة الخدمات العامة.
لكن في المقابل، توجد مساحة للترشيد داخل النفقات الجارية نفسها من خلال ضبط الإنفاق، إذ يرى أشرم أن التعميم يجب أن يكون أكثر دقة، بحيث يضمن تحديد نسبة مئوية لسقف الإنفاق لبعض بنود الموازنة المحدّدة في بداية العام، بحيث لا يستطيع محاسب الإدارة أو الإدارة المالية تجاوزها في كل مؤسسة عامة.
بنود تشغيلية قابلة للضبط
ومن هذه البنود، وفق أشرم، خفض استهلاك القرطاسية والمستلزمات المكتبية، وضبط استخدام المركبات الحكومية والمحروقات، إلى جانب ترشيد استهلاك الكهرباء والمياه والمشتريات الإدارية.
ويضرب أشرم مثالاً على ذلك بضرورة أن يحدّد التعميم خفضاً بنسبة 30 بالمئة من بند القرطاسية والمستلزمات المكتبية، إلى جانب خفض بند المحروقات المخصّصة للمركبات إلى النصف، معتبراً أن تحديد هذه النسب يجعل التعميم أكثر دقة ويمنع تجاوزه، وفي حال تجاوزه يتعرّض محاسب الإدارة للمساءلة.
ويرى أشرم أن هذه الإجراءات قد تبدو صغيرة على مستوى المؤسسة الواحدة، لكنها تصبح ذات أثر مالي عندما تُطبّق على نطاق القطاع العام بأكمله، وخصوصاً في بيئة ترتفع فيها كلفة الطاقة والنقل.
الاستثمار العام.. إعادة ترتيب لا إلغاء
أما في ما يخص الإنفاق الاستثماري، فيوضح أشرم أن المقصود ليس إلغاء الاستثمار العام، وإنما إعادة ترتيب الأولويات وفقاً للعائد الاقتصادي والاجتماعي.
وفي هذا السياق، يمكن إعطاء الأولوية للمشاريع التي تزيد إنتاج الكهرباء أو تخفض كلفتها، والمشاريع أو النفقات التي تُحسّن شبكات المياه والنقل وتزيل الاختناقات أمام الإنتاج والاستثمار الخاص، إضافةً إلى المشاريع التي تحقّق إيرادات مستقبلية للخزينة، بينما يمكن تأجيل المشاريع التي لا يترتّب على تأجيلها أثر كبير في الخدمات أو النشاط الاقتصادي.
وبالتالي، فإن جوهر السياسة، بحسب أشرم، ليس خفض الإنفاق بحد ذاته، وإنما تحسين كفاءة كل ليرة تنفقها الدولة، أي ترشيد النفقات التشغيلية القابلة للضبط، وإعادة ترتيب الاستثمار العام وفقاً للأولوية والأثر الاقتصادي.









