المزيد

‫آخر الأخبار:‬

تغطية صحية لكبار القدر من أسر المفقودين والمعتقلين.. خطوة لحماية من لا دخل لهم

‫شارك على:‬
20
هناء غانم
الوطن -

أطلقت وزارة المالية ووزارة الشؤون الاجتماعية والعمل وهيئة الإشراف على التأمين مبادرة وطنية لتوفير تغطية صحية لكبار السن من ذوي المفقودين والمعتقلين من الدرجة الأولى، مع إعطاء الأولوية لمن لا يملكون دخلاً كافياً أو مورداً تقاعدياً أو معيلاً قادراً على تلبية احتياجاتهم الأساسية.

وتأتي المبادرة في توقيت يحمل دلالة رمزية وإنسانية، بالتزامن مع اليوم العالمي لضحايا الاختفاء القسري، لكنها في مضمونها تطرح مسألة تتجاوز المناسبة نفسها: كيف يمكن تحويل موارد قطاع التأمين إلى وسيلة حماية صحية مستدامة لمن هم في أمسّ الحاجة إليها؟

التأمين في خدمة الحماية الاجتماعية

تكمن إحدى أبرز نقاط المبادرة في آلية تمويلها؛ إذ ستُخصص موارد صندوق الرعاية الاجتماعية لدى هيئة الإشراف على التأمين، الناتجة عن اقتطاع نسبة من حصيلة التأمين الإلزامي على السيارات «المسؤولية المدنية»، لتمويل الرعاية الصحية للفئة المستهدفة.

وبذلك، يتحول جزء من مورد مرتبط بنشاط تأميني إلزامي إلى خدمة ذات أثر اجتماعي مباشر، في نموذج يمكن أن يعزز مفهوم المسؤولية المجتمعية لقطاع التأمين، ويجعل من موارده أداة للمساهمة في معالجة احتياجات صحية محددة.

وكان مجلس إدارة هيئة الإشراف على التأمين، برئاسة وزير المالية، قد أقر تخصيص موارد صندوق الرعاية الاجتماعية لدعم الأنشطة المجتمعية، لتأتي المبادرة الحالية كأحد التطبيقات العملية لهذا التوجه.

لماذا يمثل التأمين الصحي فرقاً حقيقياً؟

بالنسبة لكبار السن، لا ترتبط الحاجة إلى التأمين الصحي بزيارة الطبيب عند المرض فقط، وإنما تمتد إلى الفحوص الدورية والأدوية والعلاجات والمتابعة الطبية، وهي نفقات يمكن أن تتحول إلى عبء كبير عندما يكون الشخص بلا دخل ثابت أو مورد تقاعدي.

وهنا تظهر أهمية إدخال هذه الفئة ضمن تغطية صحية منظمة. فبدلاً من انتظار وقوع المرض ثم البحث عن وسيلة لتغطية تكلفته، توفر التغطية التأمينية إطاراً مسبقاً للرعاية، بما يمنح المستفيد قدراً أكبر من الاستقرار ويخفف من احتمالية تحوّل العلاج إلى أزمة مالية.

تحدي التأمين الصحي

ويأتي ذلك في وقت لا يزال فيه التأمين الصحي والاستشفائي من المجالات التي تواجه تحديات خاصة، بسبب ارتفاع تكاليف العلاج ومستوى المخاطر المرتبط بالتغطية، ما قد يحد من قدرة شركات التأمين على التوسع في تقديم مزايا واسعة لهذه الفئات.

ومن هنا تبرز أهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه هيئة الإشراف على التأمين، ليس فقط باعتبارها جهة رقابية وتنظيمية، وإنما أيضاً في دعم تطوير منتجات وآليات تأمينية ذات بعد اجتماعي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بفئات يصعب عليها تحمل تكلفة التغطية الصحية بصورة مستقلة.

معايير واضحة لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه

نجاح المبادرة لن يرتبط فقط بتوفير التمويل، وإنما أيضاً بطريقة توزيعه ووصوله إلى المستفيدين. ولهذا ستتولى لجنة فنية مشتركة وضع معايير الاستفادة وقياس درجة الاحتياج، بالتنسيق مع الهيئة الوطنية للمفقودين للتحقق من البيانات وتحديد الفئة المستهدفة.

وتمنح هذه الآلية المبادرة فرصة لبناء نموذج أكثر عدالة وشفافية، حيث يذهب الدعم إلى الحالات التي تحتاجه فعلاً، مع إمكانية تطوير المعايير مستقبلاً وفقاً للنتائج والاحتياجات الفعلية.

خطوة أولى نحو نموذج أوسع

أهمية المبادرة لا تتوقف عند عدد المستفيدين منها، بل في النموذج الذي يمكن أن تؤسسه. فاعتماد مورد مستمر وتمويل الرعاية الصحية لسنوات قادمة، كما أعلن وزير المالية محمد يسر برنية، يضعها في إطار مختلف عن المبادرات الموسمية أو المساعدات الطارئة.

كما أن التطلع إلى توسيع الشراكة لتشمل المصارف وأسواق المال وشركات الوساطة يفتح الباب أمام مشاركة قطاعات اقتصادية أخرى في المسؤولية الاجتماعية، وهو ما يمكن أن يحول المبادرة تدريجياً إلى جزء من منظومة حماية أوسع.

وفي هذا السياق، تبدو عبارة الانتقال من «باب الإحسان» إلى «باب الحق» أكثر من مجرد توصيف للمبادرة؛ فهي تعكس محاولة لبناء استجابة مؤسسية منتظمة للاحتياجات الصحية، بدلاً من تركها رهناً بالمساعدات الفردية أو الظرفية.

الأثر الحقيقي يبدأ عند التنفيذ

بالنسبة لأسر المفقودين والمعتقلين، تحمل المبادرة بعداً إنسانياً واقتصادياً في آن واحد. فحين يحصل شخص مسن على تغطية صحية مستمرة، فإن ذلك لا يعني فقط تأمين العلاج، وإنما تخفيف جزء من القلق المرتبط بتكاليف المرض والرعاية، ومنح الأسرة هامشاً أكبر لمواجهة أعبائها المعيشية.

لكن الأثر الحقيقي سيقاس في مرحلة التنفيذ: ما حجم التغطية؟ وما الخدمات الطبية التي ستشملها؟ وكيف سيتمكن المستفيد من الوصول إليها؟ وهل ستستمر الموارد المخصصة لها بالقدر الكافي؟

الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كانت المبادرة ستبقى خطوة رمزية مرتبطة بمناسبة معينة، أم ستتحول إلى أنموذج مستدام يمكن البناء عليه وتوسيعه ليشمل فئات أخرى تحتاج إلى الحماية الصحية.

وبين هذين الاحتمالين، تبقى المبادرة خطوة لافتة في ربط قطاع التأمين بالمسؤولية الاجتماعية، والأهم أنها تضع احتياجات كبار السن من أسر المفقودين والمعتقلين في إطار حقهم في الرعاية والحماية الصحية، وليس فقط في إطار المساعدة.