المزيد

‫آخر الأخبار:‬

مليار دولار عجز في النصف الأول.. من يدفع فاتورة التمويل؟

‫شارك على:‬
20
هناء غانم
الوطن -

أكد الباحث والخبير الاقتصادي، د. رازي محي الدين، أن نشر وزارة المالية لبيانات التنفيذ الفعلي للموازنة العامة يمثل خطوة إيجابية نحو تعزيز الشفافية المالية، لكونه ينقل النقاش من أرقام وتقديرات الموازنة إلى النتائج الفعلية للإيرادات والإنفاق، ويتيح تقييم السياسة المالية على أساس الأداء الحقيقي.

وأوضح محي الدين في تصريح لـ”الوطن” أن أرقام النصف الأول من عام 2026 تستحق قراءة متأنية، إذ بلغت الإيرادات نحو 2.7 مليار دولار مقابل إنفاق يقارب 3.7 مليارات دولار، بعجز يقترب من مليار دولار. ورغم ارتفاع الإيرادات بنسبة 111% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، فإن الإنفاق ارتفع بنسبة 331%، ما يعكس اتساع الفجوة بين نمو الموارد والالتزامات العامة.

لكن، وفق محي الدين، فإن حجم العجز ليس السؤال الوحيد ولا الأكثر أهمية، وإنما كيفية تمويله، لأن مصدر التمويل هو الذي يحدد إلى حد كبير آثاره على الاقتصاد.

وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى توضيح ما إذا كان العجز قد جرى تمويله من أرصدة الخزينة، أو عبر الاقتراض الداخلي من المصارف العامة والصناديق والمؤسسات الحكومية، أو من خلال المصرف المركزي، أو باستخدام أدوات دين وسندات حكومية. فلكل مسار انعكاساته على السيولة والائتمان والتضخم والقطاع المصرفي وسعر الصرف والدين العام.

كما أن معرفة كلفة الاقتراض وآجاله والجهة المقرضة تصبح ضرورية لتقييم مدى استدامة التمويل، خصوصاً إذا أدى الاقتراض الداخلي إلى مزاحمة تمويل النشاط الاقتصادي والقطاع الخاص.

الصندوق!! والموارد العامة..

ويشير محي الدين إلى ضرورة توضيح العلاقة المالية بين الصندوق السيادي والموازنة العامة، ولا سيما التمييز بين إيرادات الموازنة، وإيرادات الأصول العامة، وعوائد الاستثمارات، والتحويلات التي يمكن أن تذهب إلى الخزينة.

فالتمييز بين إيرادات الموازنة، وإيرادات الأصول العامة، ومصادر تمويل العجز ضرورة أساسية للشفافية المالية.

ويطرح هنا سؤالاً جوهرياً: هل تدخل إيرادات الصندوق ضمن الإيرادات الإجمالية للدولة، أم أن الموازنة تسجل فقط التحويلات أو صافي الأرباح المحولة إلى الخزينة، أم أن الصندوق يعمل خارج إطار الموازنة؟

ويعتبر أن الإجابة الواضحة عن ذلك ضرورية لتحديد الحجم الحقيقي للموارد العامة وكيفية إدارتها، خصوصاً في مرحلة تتزايد فيها أهمية الأصول والاستثمارات العامة.

الليرة والدولار.. صورة أكثر دقة

ويرى محي الدين أن عرض البيانات بالدولار مفيد للمقارنة، لكنه لا يغني عن نشرها بالليرة السورية، باعتبارها العملة التي تنفذ بها الموازنة.

ومن الضروري، لذلك، تحديد سعر الصرف المرجعي أو متوسط سعر الصرف المستخدم في تحويل الأرقام، بما يسمح بالتمييز بين التغير الفعلي في الإيرادات والإنفاق وبين أثر تغير سعر الصرف على القيمة الدولارية للبيانات.

اختبار حقيقي

أما على مستوى النصف الثاني من العام، فتشير البيانات إلى أن الإيرادات المحققة خلال الأشهر الستة الأولى لا تتجاوز نحو 31% من التقديرات السنوية، ما يجعل بلوغ المستهدفات السنوية مرتبطاً بقدرة المالية العامة على تسريع تحصيل الموارد خلال الأشهر المقبلة.

ويرى محي الدين أن ذلك يفترض تحسناً في التحصيل الضريبي والجمركي، والنشاط الاقتصادي، وإيرادات النفط والغاز، إلى جانب الإيرادات الاستثنائية وعوائد الشراكات والاستثمارات العامة والخاصة، إذا كانت ضمن تقديرات الموازنة.

وفي المقابل، ينبغي تحديث التوقعات السنوية وفق نتائج التنفيذ الفعلي، بحيث تتضمن التقارير المقبلة مقارنة واضحة بين الموازنة المعتمدة، والتنفيذ الفعلي، والتوقعات المحدثة لنهاية العام، بدلاً من التعامل مع التقديرات الأولية باعتبارها أرقاماً نهائية.

صورة مالية مكتملة

ويؤكد محي الدين أن الخطوة التالية في مسار الشفافية يجب أن تتجاوز إعلان الإيرادات والإنفاق والعجز، لتشمل مصادر تمويل العجز، وتطور الدين العام، وحركة الأرصدة الحكومية والتدفقات النقدية، مع تقديم بيانات شهرية أو فصلية تساعد على فهم اتجاهات المالية العامة بصورة أدق.

فالهدف من الإفصاح المالي، وفق محي الدين، ليس معرفة الرقم النهائي للعجز فقط، وإنما فهم ما وراءه: كيف جرى تمويله، وما كلفته الاقتصادية، وما أثره على السيولة والتضخم والقطاع المصرفي وسعر الصرف، ومدى قدرة الدولة على تحمله مستقبلاً.

وبذلك تصبح الشفافية المالية أداة لتقييم الاستدامة المالية والسياسة الاقتصادية، لا مجرد إعلان دوري لأرقام الموازنة.