المزيد

‫آخر الأخبار:‬

أسواق دمشق تحت ضغط القوة الشرائية

‫شارك على:‬
20
هناء غانم
الوطن -

لا تبدو قصة الأسعار في الأسواق مرتبطة فقط بسعر كيلو البندورة أو التفاح، ولا يمكن اختصارها في قائمة بالأصناف التي ارتفعت أو انخفضت. خلف هذه الأرقام، يحدث تغير أكثر أهمية: المستهلك نفسه بدأ يتعامل مع السوق بطريقة مختلفة، ويعيد ترتيب مشترياته وفق ما يسمح به دخله.

ففي سوق الخضار والفواكه، تتفاوت الأسعار بشكل واضح بين الأصناف، لكن السؤال الأهم ليس فقط لماذا ارتفع سعر صنف أو انخفض آخر، بل كيف يتصرف المواطن عندما لا يتحرك دخله بالسرعة نفسها التي تتحرك بها الأسعار؟

يتغير الشراء.. يتغير السوق

في الظروف الطبيعية، يؤدي ارتفاع سعر سلعة إلى تراجع الطلب عليها بدرجات مختلفة، بينما يمكن أن ينتقل المستهلك إلى بدائل أقل سعراً. وفي سوق الخضار والفواكه، تبدو هذه القاعدة أكثر وضوحاً بسبب تعدد الخيارات واختلاف الأسعار بين المنتجات.

الرصد الأخير الذي قامت به” الوطن ” أظهر أن كيلو البندورة سجل نحو 3 آلاف ليرة، والخيار 5 آلاف ليرة، والبطاطا 7 آلاف ليرة، بينما وصل سعر البامية الديرية إلى 24 ألف ليرة.

وفي الفواكه، بلغ سعر الخوخ نحو 22 ألف ليرة، والموز 16 ألف ليرة، بينما تراوح التفاح بين 20 و 25 ألف ليرة.

لكن هذه الأرقام لا تعني أن المستهلك يشتري الكميات نفسها من جميع الأصناف. فالفارق بين السعر وقدرة الأسرة على الدفع هو الذي يحدد في النهاية ما يدخل إلى سلة المشتريات وما يخرج منها.

انخفاض الطلب قد يخفي مشكلة أكبر

قد يبدو استقرار سعر سلعة معينة خبراً إيجابياً، لكن الصورة تصبح مختلفة إذا كان الاستقرار ناتجاً عن تراجع الطلب بسبب ضعف القدرة الشرائية…فعندما يبدأ المستهلك بشراء نصف الكمية التي كان يشتريها، أو يستبدل منتجاً بآخر أرخص، فإن السوق قد يواجه انخفاضاً في الطلب حتى لو بقيت الأسعار مرتفعة. وهنا تصبح الكميات المباعة وسلوك المستهلك مؤشراً مهماً إلى جانب السعر نفسه.

فاستقرار الأسعار لا يعني بالضرورة تحسن القوة الشرائية، كما أن انخفاض سعر بعض المنتجات لا يعني تلقائياً انخفاض تكلفة المعيشة. لان السعر النهائي لا يتشكل في محل البيع وحده. فالمنتج يمر من مرحلة الإنتاج إلى النقل والتوزيع والجملة ثم التجزئة، وكل مرحلة تضيف تكلفة.

وتدخل المحروقات وأجور النقل والتخزين والتحميل والفاقد في تحديد السعر النهائي، فيما تتأثر المنتجات المستوردة بسعر الصرف وتكاليف الشحن والرسوم وتكاليف الاستيراد. لكن هناك عامل آخر لا يقل أهمية: قدرة السوق على استيعاب السعر.

فالتاجر قد يواجه ارتفاعاً في تكاليف الإنتاج .. ومن هنا، فإن السعر النهائي هو نتيجة تفاعل بين التكلفة من جهة والطلب من جهة أخرى. لكن المشكلة تظهر عندما تتراكم الزيادات الصغيرة على طول سلسلة التوريد، فتصل السلعة إلى المستهلك بسعر أعلى بكثير من سعرها عند المصدر.

وفي هذه الحالة، يصبح من الضروري معرفة أين تشكلت الزيادة: هل جاءت من ارتفاع تكاليف النقل؟ أم من انخفاض المعروض؟ أم من تكاليف الاستيراد؟ أم من هامش تجاري مرتفع؟

الخبير الاقتصادي د. باسم المصطفى يرى أن قراءة السوق تحتاج إلى متابعة حركة الطلب إلى جانب الأسعار، لأن انخفاض الكميات التي يشتريها المستهلك يمكن أن يكون مؤشراً على تراجع القدرة الشرائية.

ويشير إلى أن أسعار الخضار والفواكه ستبقى مرتبطة بالعرض الموسمي وحجم الإنتاج، إلى جانب تكاليف النقل والطاقة وسعر الصرف وتكاليف الاستيراد.

ويعتبر د. المصطفى أن قدرة التجار على تمرير أي ارتفاع جديد ستتوقف إلى حد كبير على قوة الطلب، فكلما تراجعت القدرة الشرائية أصبح المستهلك أكثر بحثاً عن البدائل وأقل قدرة على تحمل الزيادات.

وحسب الخبير، فإن استقرار السوق يحتاج إلى تخفيض التكاليف وتحسين تدفق السلع وتعزيز المنافسة، وليس الاعتماد على ضبط السعر النهائي فقط.

حماية المستهلك: الرقابة يجب أن تلاحق السلعة

أما جمعية حماية المستهلك فتنظر إلى المسألة من زاوية المواطن، وتعتبر أن ضبط السوق لا يتحقق فقط من خلال مراقبة سعر البيع في المحال.

فمعرفة السعر النهائي وحده لا تكشف سبب ارتفاعه، ولذلك تبرز أهمية متابعة سلسلة التوريد من المنتج إلى المستهلك، ومقارنة الأسعار في مراحل البيع المختلفة.

كما تبرز أهمية الإعلان الواضح عن الأسعار، ومراقبة الهوامش التجارية، والتعامل مع أي حالات غش أو احتكار أو مبالغة في الأسعار.

فالمستهلك يحتاج إلى سوق يستطيع فيه معرفة السعر والمقارنة بين البدائل، وليس فقط إلى رقم معلن على واجهة المحل.

المؤشر الحقيقي موجود في سلة المواطن

تفاوت الأسعار في الأسواق ليس ظاهرة جديدة، لكن أهميته اليوم تكمن في علاقته بالقوة الشرائية.

فالسوق قد يشهد انخفاضاً في سعر محصول موسمي، بينما تبقى تكلفة السلة الغذائية مرتفعة. وقد تستقر الأسعار، لكن المواطن يشتري كميات أقل.

لذلك، فإن السؤال الاقتصادي الأهم لا يتعلق فقط بما إذا كان سعر كيلو التفاح قد ارتفع أو انخفض، بل هل يستطيع المواطن شراء الكمية نفسها التي كان يشتريها سابقاً بالدخل نفسه؟

هذه هي النقطة التي تفصل بين استقرار الأسعار على الورق واستقرار القدرة الشرائية في الواقع.

وفي المرحلة المقبلة، ستكون حركة الطلب مؤشراً لا يقل أهمية عن حركة الأسعار نفسها؛ فإذا استمر المستهلك في تقليص مشترياته والبحث عن البدائل الأرخص، فإن السوق سيكون أمام رسالة واضحة عن مستوى القوة الشرائية.

فهل نشهد خلال الفترة المقبلة استقراراً حقيقياً في الأسعار، أم أن المؤشر الأهم سيظهر في سلة المواطن نفسها: ما الذي سيبقى فيها، وما الذي سيصبح خارج قدرته على الشراء؟