يرى الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية، المهندس باسل كويفي، أن زيارة وزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني إلى طرابلس تفتح باباً مهماً أمام إعادة بناء العلاقات الاقتصادية السورية الليبية على أساس المصالح المتبادلة، مشيراً في حديثه “للوطن” إلى أن القيمة الحقيقية للزيارة لن تُقاس بالبعد الدبلوماسي وحده، وإنما بقدرة دمشق وطرابلس على تحويل التقارب السياسي إلى تجارة واستثمارات واتفاقات اقتصادية قابلة للتنفيذ…
ويعتبر كويفي أن العلاقة بين البلدين تمتلك مقومات اقتصادية لافتة؛ فليبيا تمتلك موارد نفطية وإمكانات مالية واستثمارية كبيرة، في وقت تحتاج فيه سوريا إلى مصادر تمويل جديدة، وإلى الطاقة والاستثمار والأسواق الخارجية، ما يجعل نقاط التقاطع بين الاقتصادين واسعة، خصوصاً إذا جرى الانتقال من التفاهمات العامة إلى مشاريع محددة.
لكن الباحث يحذر في الوقت نفسه من التعامل مع هذه الإمكانات باعتبارها استثمارات مضمونة، مؤكداً أن الفجوة بين وجود الفرصة الاقتصادية وبين القدرة على جذب رأس المال تبقى كبيرة، ما لم ترافقها بيئة تشريعية واضحة وضمانات استثمارية وقنوات مصرفية موثوقة ومستوى أعلى من الشفافية والحوكمة.
من إعادة فتح السفارة إلى فتح الأسواق
ويشير كويفي إلى أن إعادة افتتاح السفارة السورية في طرابلس، المغلقة منذ عام 2012، تحمل أهمية عملية تتجاوز الرمز الدبلوماسي، لأنها توفر إطاراً مؤسسياً يمكن أن يساعد على تنظيم العلاقات الاقتصادية والتجارية، وتسهيل حركة رجال الأعمال والعمالة والوثائق والمعاملات بين البلدين.
لكن المكسب الاقتصادي الأكثر سرعة، برأيه، قد لا يأتي من الاستثمارات الكبرى، بل من تنشيط التجارة البينية وفتح السوق الليبية أمام المنتجات السورية.
فالسوق الليبية يمكن أن تشكل منفذاً إضافياً أمام الصناعات والمنتجات السورية، بما يتيح للشركات المحلية توسيع صادراتها والوصول إلى طلب خارجي جديد، وهو ما ينعكس على الإنتاج والتشغيل وتدفقات القطع الأجنبي.
ومن هذه الزاوية، فإن بناء علاقة تجارية مستقرة قد يكون مدخلاً عملياً إلى علاقة استثمارية أوسع، بدلاً من القفز مباشرة إلى الحديث عن مشاريع ضخمة قبل اختبار قدرة الطرفين على تطوير المبادلات التجارية.
الطاقة.. نقطة التقاطع الأكبر
وتبرز الطاقة باعتبارها أحد أهم الملفات التي يمكن أن تمنح العلاقة السورية الليبية بعداً اقتصادياً استراتيجياً.
فليبيا دولة نفطية تمتلك موارد وإمكانات في قطاع الطاقة، بينما تواجه سوريا احتياجات كبيرة في هذا المجال، سواء من جهة تأمين مصادر الطاقة أو تطوير البنية التحتية المرتبطة بها.
ويرى كويفي أن التعاون في الطاقة يمكن أن يشمل، بحسب ما تسمح به الظروف الاقتصادية والقانونية، مجالات متعددة، من التوريد والخدمات النفطية إلى الاستثمار في مشاريع الطاقة والبنية التحتية، لكن نجاح أي مسار من هذه المسارات يحتاج إلى عقود واضحة وآليات تمويل وتسوية مالية قابلة للتطبيق.
مشيرا الى ان ليبيا تملك فائضاً في الطاقة والتمويل.. وسوريا تحتاج إلى الاستثمار والأسواق وإعادة تشغيل اقتصادها
وهنا تحديداً، تصبح القنوات المصرفية وآليات تحويل الأموال جزءاً أساسياً من أي شراكة اقتصادية، وليست مجرد تفاصيل فنية يمكن تجاوزها.
الاستثمار الليبي في سوريا.. الفرصة تصطدم بالضمانات
ورغم وجود حاجة سورية كبيرة إلى رأس المال، فإن استقطاب الأموال الليبية، ولا سيما الأموال العامة أو السيادية، يظل مرتبطاً بمدى قدرة الاقتصاد السوري على تقديم بيئة استثمارية واضحة.
ويحدد كويفي ثلاثة عوامل أساسية في هذا السياق: الضمانات القانونية، وضوح التشريعات، والحوكمة والشفافية.
فالمستثمر، سواء كان خاصاً أم مؤسسياً، لا ينظر إلى حجم الفرصة فقط، بل إلى درجة المخاطر أيضاً؛ وكلما ارتفعت المخاطر القانونية أو المالية أو التشغيلية، ارتفعت كلفة الاستثمار وتراجعت جاذبية المشروع.
ولهذا، فإن الحديث عن تمويل ليبي واسع لإعادة إعمار سوريا يحتاج إلى الانتقال من الخطاب السياسي إلى اقتصادات المشروعات: ما المشروع؟ ما حجمه؟ من يموله؟ ما عائده؟ ما الضمانات؟ وكيف ستتم حركة الأموال؟
هذه الأسئلة هي التي ستحدد فعلياً ما إذا كان التقارب السوري الليبي سيتحول إلى شراكة اقتصادية أم سيبقى في إطار التفاهمات العامة.
مجلس رجال الأعمال.. اختبار أولي للشراكة
وفي هذا الإطار، يمكن لمجلس رجال الأعمال المشترك أن يؤدي دوراً مهماً في المرحلة الأولى، ليس فقط عبر تنظيم اللقاءات والمنتديات، وإنما من خلال الانتقال إلى تحديد القطاعات الأكثر قابلية للتعاون، وربط الشركات والمستثمرين بمشاريع فعلية.
وقد يكون التركيز الأول على القطاعات ذات دورة الاستثمار الأسرع، مثل التجارة والخدمات والنقل والصناعات الغذائية وبعض الأنشطة الإنتاجية، قبل الانتقال إلى مشاريع البنية التحتية والطاقة التي تتطلب رؤوس أموال أكبر وفترات استرداد أطول.
كما أن زيادة الصادرات السورية إلى ليبيا يمكن أن تكون أحد الاختبارات المبكرة لجدية المسار الاقتصادي، لأن نمو الصادرات يعني زيادة الإنتاج المحلي وتحسين استخدام الطاقات الإنتاجية وتوليد إيرادات بالقطع الأجنبي.
الواقعية الاقتصادية أهم من ضخامة العناوين:
ويخلص كويفي إلى أن الرهان الحقيقي في العلاقات السورية الليبية لا ينبغي أن يكون على ضخامة التصريحات، وإنما على تراكم المصالح الاقتصادية الصغيرة والمتوسطة التي يمكن أن تتحول لاحقاً إلى شراكات أكبر.
فالاقتصاد السوري يحتاج اليوم إلى أسواق تصديرية وتمويل واستثمارات ومصادر طاقة، بينما تمتلك ليبيا موارد مالية وطاقة وفرصاً استثمارية، لكن تحويل هذا التكامل النظري إلى واقع يحتاج إلى أدوات تنفيذية واضحة.
وعليه، فإن نجاح زيارة الشيباني اقتصادياً سيظهر في مؤشرات يمكن قياسها: ارتفاع حجم التبادل التجاري، زيادة الصادرات السورية إلى ليبيا، توقيع عقود استثمار فعلية، تطوير التعاون في قطاع الطاقة، وتحسن قدرة رجال الأعمال والشركات على الحركة والتمويل والتعامل بين السوقين.
أما الحديث عن «إعادة إعمار» واسعة أو استثمارات ضخمة قبل ظهور هذه المؤشرات، فيبقى سابقاً لأوانه.
الفرصة الاقتصادية موجودة، لكن تحويلها إلى شراكة يحتاج إلى بيئة استثمارية قادرة على إقناع رأس المال بأن العائد المتوقع يستحق المخاطر. وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي لـ«سوريا الجديدة»: ليس في عدد الاتفاقات التي تُوقّع، بل في عدد المشاريع التي تتحول فعلاً إلى إنتاج واستثمار وتجارة وفرص عمل.









