أظهر تقرير صادر عن المركز السوري لبحوث السياسات أن انخفاض التضخم في سوريا خلال تموز 2026 لم يكن كافياً لتغيير المشهد المعيشي، رغم تسجيل أسعار المستهلك انكماشاً بنسبة 1.9% خلال شهر واحد.
“الوطن” حصلت على نسخة من التقرير الذي كشف القراءة التراكمية لبيانات أيار وحزيران وتموز أن الاقتصاد السوري انتقل خلال ثلاثة أشهر من قفزة تضخمية بلغت 6% في أيار، إلى تباطؤ الارتفاع في حزيران، ثم إلى انكماش الأسعار في تموز، لكن هذه التحولات بقيت عاجزة عن تقليص الفجوة بين الأسعار والدخول أو إعادة القدرة الشرائية للأسر إلى مستويات أكثر استقراراً.
وبحسب التقرير، بقي المستوى العام للأسعار في تموز أعلى بنسبة 24.8% من مستواه في الشهر نفسه من العام الماضي، في حين ظل خط الفقر المدقع قريباً من 3.4 ملايين ليرة شهرياً للأسرة، مقابل أجور لا تغطي سوى جزء محدود من الاحتياجات الأساسية.
أيار.. صدمة إعادة التسعير
بدأت الأشهر الثلاثة بموجة ارتفاع قوية في الأسعار خلال أيار، حيث ارتفع الرقم القياسي العام لأسعار المستهلك بنسبة 6% على أساس شهري، بالتزامن مع إعادة تسعير الوقود وتعديل وزن ربطة الخبز، فيما بلغ التضخم السنوي 39.9%.
تركزت الضغوط بصورة أساسية في قطاعات النقل والسكن والطاقة والغذاء، ليظهر أثر أسعار الطاقة سريعاً في بقية مكونات تكلفة المعيشة.
ولم يكن قطاع النقل بمنأى عن هذه الصدمة، إذ أدى ارتفاع تكاليف الوقود إلى انتقال مباشر نحو أجور النقل وتكاليف نقل السلع والخدمات، بما يعزز الضغوط على المستهلكين والمنتجين في الوقت نفسه.
وهكذا، شكل أيار نموذجاً واضحاً لما يمكن تسميته «صدمة إعادة التسعير»، حيث لا يقتصر أثر ارتفاع أحد المدخلات الأساسية على سعره المباشر، وإنما يمتد إلى قطاعات اقتصادية متعددة.
حزيران.. تباطؤ الارتفاع لا يعني انخفاض الأسعار
في حزيران، تراجع التضخم الشهري بصورة كبيرة إلى 0.8%، في وقت ارتفع فيه التضخم السنوي إلى 40.5%.
وتكشف هذه المفارقة أهمية التمييز بين المؤشرين؛ فتراجع التضخم الشهري يعني أن الأسعار ارتفعت بوتيرة أبطأ، وليس أنها عادت إلى مستوياتها السابقة.
وساهم الانخفاض الموسمي في أسعار بعض المواد الغذائية، ولا سيما الخضار، في الحد من معدل التضخم الشهري، إلا أن الضغوط بقيت قائمة في السكن والطاقة والنقل والتعليم وغيرها من الخدمات الأساسية وبذلك، دخل الاقتصاد مرحلة من تباطؤ الارتفاع بدلاً من انخفاض فعلي واسع للأسعار.
صورة مختلفة للتضخم
تكشف البيانات أيضاً أن المتوسط الوطني لا يعكس بالضرورة ما يحدث في الأسواق المحلية.
فقد سجلت الحسكة خلال حزيران تضخماً شهرياً بلغ 24.8%، مدفوعاً بارتفاع تعرفات الكهرباء وأسعار بعض مصادر الطاقة، قبل أن تنتقل آثار هذه الزيادة إلى النقل والمياه والإيجارات والخدمات. وتبرز هذه الحالة أهمية العامل الجغرافي في تحديد تكلفة المعيشة، إذ يمكن لصدمة في الطاقة أو النقل أن تتحول في بعض المناطق إلى موجة تضخمية واسعة، وخصوصاً عندما تكون قدرة الأسواق المحلية على توفير البدائل محدودة.
تموز.. الأسعار تنكمش 1.9%
جاء التحول الأبرز في تموز، عندما انخفض الرقم القياسي العام لأسعار المستهلك بنسبة 1.9% مقارنة بحزيران.
وشمل الانخفاض عدداً من المجموعات الاستهلاكية، بينها النقل والسكن والطاقة والأغذية، بالتزامن مع تحسن نسبي في سعر صرف الليرة وانخفاض أسعار بعض المشتقات النفطية.
لكن الانخفاض الشهري لا يعني أن الاقتصاد عاد إلى مستويات الأسعار السابقة.
فالمستوى العام للأسعار بقي في تموز أعلى بنسبة 24.8% مقارنة بتموز 2025، كما بقي قريباً من عشرة أضعاف مستواه في سنة الأساس 2021.
وهنا تظهر النقطة الأهم في قراءة البيانات: الأسعار يمكن أن تنخفض شهرياً من مستوى مرتفع، من دون أن تعني عودتها إلى مستويات يمكن للأسر تحملها.
تحسن الليرة!!
تظهر بيانات الأشهر الثلاثة أن العلاقة بين سعر الصرف والأسعار ليست فورية ولا متطابقة بين مختلف السلع والمناطق.
ففي تموز تحسن متوسط سعر صرف الليرة السورية في السوق الموازية، وانخفض متوسط سعر الدولار من نحو 14,001 ليرة في حزيران إلى 13,215 ليرة.
إلا أن هذا التحسن لم ينعكس بالسرعة نفسها على مختلف مكونات سلة الاستهلاك. والسبب أن السعر النهائي للسلعة لا يرتبط بسعر الصرف وحده، وإنما يتأثر أيضاً بتكاليف النقل والطاقة، وتوافر المعروض، وهوامش التداول، والظروف المحلية، إضافة إلى الفارق بين الأسعار الرسمية والأسعار الفعلية في السوق. وبالتالي، فإن تحسن سعر الصرف يمثل عاملاً مساعداً في خفض الأسعار، لكنه لا يكفي بمفرده لضمان انتقال هذا الانخفاض إلى المستهلك.
الفجوة الأكبر
بعيداً عن حركة مؤشر الأسعار، تبرز فجوة أكثر عمقاً في مؤشرات الأجور وخطوط الفقر.
فقد بقي خط الفقر المدقع خلال الأشهر الثلاثة قريباً من 3.4 ملايين ليرة شهرياً للأسرة، فيما دار خط الفقر الأعلى حول 7.4 ملايين ليرة.
في المقابل، لم يغطِّ الأجر المرجعي للموظف الجامعي في القطاع العام سوى نحو 44% من خط الفقر المدقع، بينما بقي أجر العامل في القطاع الخاص دون خط الفقر الأدنى.
أما الأجر المرجعي في قطاع المجتمع المدني، ورغم تجاوزه خطي الفقر المدقع والأدنى، فإنه بقي دون خط الفقر الأعلى على المستوى الوطني.
وتكشف هذه الأرقام أن المشكلة لا تتعلق فقط بمعدل التضخم الحالي، وإنما بمستوى الأسعار الذي تراكم خلال السنوات الماضية مقابل دخول لم تلحق بهذه الزيادة.
لماذا لا يشعر المواطن بانخفاض التضخم؟
السبب الاقتصادي بسيط في ظاهره: التضخم يقيس سرعة تغير الأسعار، وليس مستوى الأسعار نفسه.
فعندما يتراجع التضخم من 6% إلى 0.8% ثم إلى سالب 1.9%، فهذا يعني أن وتيرة تغير الأسعار هدأت، أو أن الأسعار انخفضت خلال الشهر الأخير، لكنه لا يعني أن الأسعار عادت إلى ما كانت عليه قبل موجات التضخم السابقة.
وبالنسبة للأسرة، فإن الأهم هو مقدار الدخل الذي تحتاجه لتأمين الغذاء والسكن والطاقة والنقل والتعليم والخدمات الأساسية…لذلك، يمكن أن يسجل الاقتصاد انكماشاً في الأسعار خلال شهر، بينما تبقى الأسرة تحت ضغط معيشي مرتفع إذا ظل مستوى الأسعار أعلى بكثير من قدرتها على الدفع.
من تضخم الأسعار إلى أزمة القوة الشرائية
تكشف قراءة الأشهر الثلاثة انتقال طبيعة المشكلة من ارتفاع سريع في الأسعار إلى استقرار نسبي عند مستويات مرتفعة.
وهذا تحول مهم اقتصادياً
ففي مرحلة التضخم المرتفع، يكون التركيز على كبح ارتفاع الأسعار. أما عندما تتباطأ الأسعار أو تنخفض بشكل محدود، يصبح التحدي التالي هو: كيف تستعيد الدخول قدرتها على شراء السلع والخدمات؟
وهنا تصبح سياسات الأجور والإنتاج والطاقة والنقل وتوافر السلع عوامل لا تقل أهمية عن سياسة مكافحة التضخم نفسها.
فخفض الأسعار بصورة مستدامة لا يعتمد على سعر الصرف وحده، بل يحتاج إلى خفض كلف الإنتاج والنقل والطاقة، وتحسين تدفق السلع، وتقليص الاختناقات في الأسواق، إلى جانب زيادة القدرة الإنتاجية.
3 أشهر.. والاختبار الحقيقي لم يبدأ بعد
تقدم بيانات أيار وحزيران وتموز صورة لاقتصاد سوري يمر بمرحلة إعادة تسعير واسعة، أعقبتها حالة من التباطؤ ثم انكماش محدود في مؤشر الأسعار.
لكن المؤشرات لا تسمح بعد باعتبار ذلك تحولاً مستداماً في كلفة المعيشة.
فالأسعار، رغم انخفاضها في تموز، لا تزال مرتفعة مقارنة بالعام الماضي، بينما تبقى الأجور بعيدة عن تغطية الاحتياجات الأساسية لجزء كبير من الأسر.
وعليه، فإن المؤشر الأكثر أهمية خلال المرحلة المقبلة لن يكون معدل التضخم الشهري وحده، وإنما العلاقة بين الأسعار والدخول الحقيقية.
فإذا استمر انخفاض الأسعار بالتوازي مع تحسن الإنتاج وتراجع تكاليف الطاقة والنقل واستقرار سعر الصرف، فقد يبدأ الاقتصاد تدريجياً باستعادة جزء من قدرته الشرائية.
أما إذا استقرت الأسعار عند مستوياتها المرتفعة الحالية بينما بقيت الأجور دون نمو مماثل، فإن انخفاض التضخم سيبقى تحسناً في المؤشر أكثر منه تحسناً في حياة الأسر.
وهذه هي المفارقة التي تكشفها الأشهر الثلاثة بوضوح: التضخم يتراجع، لكن معركة القدرة الشرائية لا تزال مفتوحة.






