بعد 47 عاماً من بقاء سوريا على قائمة الدول الراعية للإرهاب في الولايات المتحدة دخل الاقتصاد السوري مرحلة مختلفة لم يعد التحدي فيها محصوراً بإزالة القيود والعوائق القانونية أمام التعامل مع سوريا بل أصبح مرتبطاً بقدرة المؤسسات والاقتصاد المحلي على تحويل هذا الانفتاح إلى استثمارات وعلاقات مصرفية وتجارة وإنتاج وفرص عمل.
ومع انتهاء مهلة المراجعة المخصصة للكونغرس الأميركي بشأن قرار رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب يقترب هذا الملف من استكمال مساره التنفيذي لتطوى بذلك واحدة من أبرز صفحات العزلة التي قيدت حركة الاقتصاد السوري لعقود لكن انتهاء هذه المرحلة لا يعني أن المصارف والشركات والمستثمرين الدوليين سيعودون تلقائياً إلى السوق السورية أو أن جميع القيود الاقتصادية والمالية ستختفي دفعة واحدة.
وفي حديث لـ “الوطن” رأى الدكتور خليل الحمدان الخبير الاقتصادي أن رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب يمثل تحولاً مهماً في البيئة الخارجية للاقتصاد السوري، لكنه لا يعني تلقائياً تدفق الاستثمارات أو عودة العلاقات الاقتصادية إلى طبيعتها لأن المستثمر والمؤسسة المالية ينظران إلى مجموعة واسعة من المعايير قبل اتخاذ قرار الدخول إلى السوق
وأوضح الحمدان أن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة اختبار حقيقي لقدرة الاقتصاد السوري على بناء الثقة. مشيراً إلى أن إزالة العائق القانوني خطوة مهمة لكنها تحتاج إلى إجراءات داخلية موازية تتعلق باستقرار التشريعات وتبسيط الإجراءات وتحسين بيئة الأعمال وتطوير القطاع المصرفي وتعزيز الشفافية والحوكمة.
فالمستثمر الذي يفكر في إنشاء مصنع أو مشروع زراعي أو سياحي في سوريا لن يسأل فقط عما إذا كان التعامل مع البلاد أصبح ممكناً من الناحية القانونية بل سيبحث عن كلفة الطاقة والأرض والعمالة والضرائب والتمويل وسرعة الحصول على التراخيص وقدرته على استيراد المعدات وتصدير منتجاته وتحويل أرباحه وضمان حقوق ملكيته واستثماراته.
وهنا تحديداً تنتقل مسؤولية الاستفادة من الانفتاح من الخارج إلى الداخل، إذ إن رفع القيود يزيل جزءاً من المخاطر السياسية والقانونية لكنه لا يلغي المخاطر المرتبطة ببيئة الأعمال نفسها.
ويبرز القطاع المصرفي في مقدمة القطاعات التي ستخضع لهذا الاختبار لأن عودة سوريا إلى النظام المالي الدولي لا تعتمد على السماح القانوني بالتعامل معها فقط بل تحتاج إلى مصارف قادرة على استعادة علاقاتها مع المصارف المراسلة والالتزام بمعايير الامتثال والشفافية ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب ومعرفة العميل والحوكمة والرقابة.
وقد يصبح تنفيذ التحويل المالي إلى مصرف سوري ممكناً من الناحية القانونية، في حين يبقى المصرف الأجنبي متردداً في التعامل إذا وجد أن مستوى المخاطر أو متطلبات الامتثال لا تزال مرتفعة، ولذلك فإن بناء الثقة بين المصارف السورية والمؤسسات المالية الدولية سيكون مساراً موازياً لعملية رفع القيود.
ومن هذه الزاوية فإن تطوير البنية التقنية للمصارف وتحديث أنظمة الرقابة والامتثال وتحسين جودة البيانات المالية سيكون من الشروط الأساسية لتحويل الانفتاح القانوني إلى انفتاح مالي فعلي.
ولا تقل أهمية عن ذلك مسألة رأس المال السوري الموجود في الخارج والذي يمكن أن يشكل أحد أسرع مصادر التمويل والاستثمار في المرحلة المقبلة فسنوات الأزمة دفعت رؤوس أموال وخبرات وشركات سورية إلى أسواق مختلفة وأصبح لدى كثير من السوريين في الخارج أعمال وخبرات وعلاقات تجارية يمكن أن تشكل جسراً بين الاقتصاد السوري والأسواق الدولية.
لكن استعادة هذه الأموال لن تتحقق بمجرد توجيه دعوات للعودة، فالمستثمر السوري في الخارج سيقارن بين بيئة الاستثمار في سوريا والبيئات التي يعمل فيها حالياً وسينظر إلى استقرار التشريعات وسهولة التحويلات وتوافر الطاقة والتمويل وحماية الملكية وكلفة الإنتاج قبل أن يقرر إعادة جزء من نشاطه.
وبالتالي فإن السؤال عن جذب المستثمر الأجنبي يجب أن يسبقه سؤال أكثر إلحاحاً وهو كيف يمكن استعادة ثقة المستثمر السوري وجعل توسيع نشاطه داخل البلاد خياراً اقتصادياً قابلاً للحساب.
ويرى الحمدان أن بناء هذه الثقة يتطلب الانتقال من الترويج العام للاستثمار إلى تقديم بيئة واضحة يستطيع المستثمر من خلالها معرفة حقوقه والتزاماته وكلفة مشروعه والمدة اللازمة لتأسيسه وآليات التمويل والتحويل والتصدير.
وهذا يتطلب خريطة اقتصادية واضحة تحدد القطاعات التي تحتاج إلى الاستثمار وتقدم معلومات دقيقة وقابلة للقياس حول الطاقة والأراضي والضرائب والإعفاءات والعمالة والبنية التحتية والأسواق وإجراءات التأسيس والتصدير.
كما أن تغيير الصورة الذهنية عن الاقتصاد السوري في الخارج يحتاج إلى أكثر من الرسائل السياسية فالمؤسسات المالية والمستثمرون الدوليون يبنون قراراتهم على البيانات والمؤشرات وسجل الالتزام بالقواعد واستقرار السياسات الاقتصادية.
ولهذا فإن المرحلة الجديدة تضع أمام الحكومة السورية مهمة مزدوجة تتمثل أولاً في استكمال الاستفادة من إزالة القيود الخارجية، وثانياً في معالجة العوائق الداخلية التي يمكن أن تمنع الاقتصاد من الاستفادة الكاملة من هذه الفرصة.
فالنجاح لن يقاس بعدد التصريحات السياسية أو الوفود الاستثمارية التي تزور دمشق وإنما بقدرة الاقتصاد على تحويل الانفتاح إلى استثمارات حقيقية ومصانع ومشروعات جديدة وتوسع في التجارة وفرص عمل وتحسن في الإنتاج والدخل، كما أن المواطن السوري لن يقيس قيمة هذا التحول من خلال القرار السياسي نفسه بل من خلال نتائجه على حياته اليومية عندما تصبح التحويلات أسهل والتجارة أقل كلفة والتمويل أكثر توافراً والاستثمارات أكثر حضوراً وفرص العمل أكبر، وبذلك فإن انتهاء مرحلة القيود القانونية لا يمثل نهاية الطريق بالنسبة للاقتصاد السوري بل بداية اختبار جديد وربما أكثر صعوبة لأن إزالة العائق الخارجي تضع المؤسسات السورية أمام مسؤولية إثبات قدرتها على العمل في بيئة اقتصادية أكثر انفتاحاً.
فالدبلوماسية تستطيع إزالة الحواجز السياسية والقانونية لكن الاقتصاد هو الذي يجب أن يثبت أن سوريا أصبحت قادرة على استقبال رأس المال وحمايته وتشغيله وتحويله إلى إنتاج وقيمة مضافة وفرص عمل.
ومن هنا فإن المعركة المقبلة ليست معركة رفع القيود بقدر ما هي معركة استعادة الثقة وهي المعركة التي ستحدد ما إذا كان الانفتاح الجديد سيبقى حدثاً سياسياً مهماً أم يتحوّل إلى نقطة تحول حقيقية في الاقتصاد السوري.









