يمثل قرار شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب تطوراً مهماً في إزالة أحد العوائق السياسية والقانونية أمام التعامل الدولي مع الاقتصاد السوري، إلا أن انعكاساته على القطاع العقاري لن تكون فورية أو متساوية، وفق ما يؤكد الخبير العقاري د. محمد أنور الوردة في تصريح لـ«الوطن».
الثقة أولاً
يوضح الوردة أن القرار يمكن أن يسهم في خفض جزء من المخاطر السياسية والقانونية المرتبطة بالتعامل مع سوريا، ويفتح المجال تدريجياً أمام عودة العلاقات الاقتصادية والمالية، لكنه لا يعني تدفق الاستثمارات خلال أيام أو تعافي الاقتصاد تلقائياً، مشيراً إلى أن المستثمر ينظر أيضاً إلى الاستقرار والبيئة التشريعية والتحويلات المصرفية وحقوق الملكية والقضاء والضرائب وسعر الصرف وإمكانية الخروج من الاستثمار.
ويرى أن استفادة العقار ستأتي تدريجياً، بعد انتقال آثار الانفتاح من القطاع المالي والتجاري إلى الاقتصاد الحقيقي.
العقار يستفيد لاحقاً
بحسب الوردة، يمكن أن يؤدي تحسن حركة السياحة والطيران ورجال الأعمال والنشاط التجاري إلى زيادة الطلب على المكاتب والفنادق والمستودعات والعقارات التجارية والصناعية، فيما قد يظهر الأثر على السكن بصورة أبطأ، بالتوازي مع تحسن الدخول وفرص العمل والقدرة الشرائية.
ويشدد على أن العقار غالباً لن يكون أول القطاعات المستفيدة، بل من القطاعات التي تستفيد لاحقاً عندما يبدأ الاقتصاد الحقيقي بالتعافي وتتوفر مصادر تمويل جديدة.
النمو العقاري غير المتوازن
يحذر الوردة من أن نمو الاستثمار العقاري لا يعني بالضرورة تحسن القدرة على تملك السكن، إذ يمكن أن يتوسع الاستثمار في الوقت الذي يبقى فيه جزء كبير من السوريين خارج السوق بسبب ضعف القوة الشرائية.
ويشير إلى وجود فجوة بين الطلب على السكن والطلب القادر على دفع أسعار السوق، ما يجعل ترك الإسكان لمنطق الربحية التجارية وحده غير كاف لتلبية احتياجات ذوي الدخل المحدود.
مسؤولية الإسكان
يرى الوردة أن معالجة هذه الفجوة تتطلب دوراً مباشراً للدولة عبر توفير الأراضي المناسبة والبنى التحتية، وتقديم حوافز للمطورين لإنشاء مشاريع السكن الميسر والشعبي، وتفعيل التمويل العقاري، وتنظيم شراكات حقيقية بين القطاعين العام والخاص.
ويؤكد أن تأخر هذه الإجراءات يعني إطالة فترة انتظار الشرائح محدودة الدخل، خصوصاً أن إعادة الإعمار تحتاج إلى موارد وميزانيات ضخمة.
ثلاث مراحل للأثر
يقسم الوردة انعكاسات القرار على العقار إلى ثلاث مراحل؛ تبدأ قصيرة الأجل بتحسن الثقة وعودة تدريجية للنشاط التجاري والاستثماري والسياحي، من دون توقع قفزة شاملة في الطلب العقاري.
وفي المرحلة المتوسطة، تبدأ آثار الانفتاح بالظهور بصورة أوضح إذا ترافق مع إصلاح مصرفي وتشريعي وعودة التمويل والاستثمار، ما يرفع الطلب على المكاتب والفنادق والمستودعات والعقارات التجارية والصناعية.
أما المرحلة الطويلة، فتتزامن مع ارتفاع الدخول وفرص العمل واتساع الاقتصاد الحقيقي، وهنا يظهر الأثر الأقوى على الطلب السكني الحقيقي.
ليس كل العقار رابحاً
ويؤكد الوردة أن شطب سوريا من القائمة لا يعني ارتفاع قيم جميع العقارات تلقائياً، إذ ستتفاوت الاستفادة وفق الموقع والاستخدام والجودة والبنية التحتية والقرب من مراكز النشاط الاقتصادي وقدرة العقار على تحقيق دخل وقابليته للتطوير، محذراً من الخلط بين ارتفاع الأسعار والنمو المستدام وبين المضاربات العقارية.
سبعة مسارات للاستفادة
ويضع الوردة مجموعة من الإجراءات الضرورية لتحويل الانفتاح السياسي إلى نتائج اقتصادية فعلية، في مقدمتها إصلاح البيئة المصرفية والمالية واستعادة الثقة بالقطاع المصرفي، وإصلاح التشريعات والضرائب وحماية الاستثمار وحقوق الملكية، وإعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية ولاسيما الزراعة والصناعات التحويلية، إضافة إلى جذب الاستثمار المنتج بدلاً من المضاربات، وتفعيل التمويل العقاري، ووضع سياسة إسكان تستوعب مختلف شرائح الدخل، وتعزيز الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص في الإسكان والبنى التحتية.
ويشدد الوردة على أن استعادة الثقة بالقطاع المصرفي يجب أن تكون من الأولويات وبأقصى سرعة ممكنة، لأن إطالة فترة التراخي تجعل استعادة الثقة أكثر صعوبة وتؤخر انعكاس الانفتاح على النشاط الاقتصادي والعقاري.
الانفتاح وحده لا يكفي
ويخلص الوردة إلى أن قرار الشطب يمثل فرصة مهمة لسوريا، لكنه ليس بحد ذاته محركاً كافياً للنمو العقاري، فالنتائج الحقيقية ستتوقف على قدرة الدولة على تحويل هذه الفرصة إلى إصلاحات مصرفية وتشريعية وإنتاجية وتمويلية، بما يسمح بانتقال السوق العقارية من المضاربة وشراء الأصول إلى سوق منتجة ومستدامة تخدم الاستثمار والاقتصاد وتستجيب في الوقت نفسه للحاجة السكنية لمختلف شرائح المجتمع.









