استمرت فعاليات معرض دمشق الدولي للكتاب، بين 6 إلى 16 شباط\فبراير الحالي بدورته ال63 تحت رعاية وزارة الثقافة. وبمشاركة 500 دار نشر، طرحت قرابة 100 ألف عنوان، من 44 دولة بينها 10 دول عربية، ومشاركة 800 شركة محلية وخارجية بينها 267 شركة دولية، بينما وصلت مساحة الأجنحة المحجوزة إلى 45.706 ألف متر مربع.
أكثر ما كان جديداً، أو على الأقل بالنسبة للكرد في سوريا، هو تخصيص جناح خاص للكتاب والمنتوج الثقافي الكردي. وهي الخطوة التي تأرجحت بين مؤيد لها؛ لكونها من الحقوق الطبيعية لأيّ مكون، وبين المتأسف على آلية التعامل مع الثقافة والهويّة الكردية، عبر خطوات ضعيفة.
الموقف من الحدث بين الكرد والعرب

وفقاً لديناميات غياب الاستقرار المطلوب والمنشود سورياً. فإن أسباب تخصيص جناح للكتاب الكردي، ولأول مرة خلال أكثر من نصف قرن، هي نتيجة للتغيرات التي طرأت على سوريا خلال عمر الثورة، وما تلاها من الانتصار على الأسد، ومحاولة للانفتاح على الوجود الثقافي الكردي في سوريا، وتحول في المقاربة الرسمية من الإنكار إلى الاحتواء. وهذه الخطوة ضمن سياق تاريخ سوريا السياسي والثقافي الجديد، ربما هي رغبة في تقديم إثبات على كسر الإقصاء الثقافي الكردي، وإشارة لإعادة تعريف الهويّة السورية الجامعة، وخطوة رمزية تمهد لاعتراف أوسع للحقوق والشراكة مابين مكونات الشعب السوري، وفقاً للكثيرين من المحسوبين على السلطة.
أما حول استقبال القارئ العربي للقرار، ورد فعل السوريين تجاه الخطوة، فوفقاً لبعض المداخلات والتواصلات، قال عنها بعض النُخب السورية العربية: إنها خطوة جيدة وتعبر عن التناغم بين الهويات في الجغرافية السورية للوصول إلى الهوية الجامعة بين المكونات السورية، وهي من نتائج ومخرجات المرسوم13 حول الثقافة واللغة الكردية، وهذه بداية طريق. وهو ما يتوجب على المثقفين الكرد أخذ مكانهم المستحق في سوريا، وتفعيل أدوات الحضور الثقافي الكردي، من قبيل المسرح والفنون المختلفة، لأخذ السمة العامة ضمن سوريا.
خاصة وأن للقضية الكردية جانب آخر هي مرحلة النضال الثقافي والحزبي والسياسي، بعيداً عن السلاح. وهذا التزاحم الثقافي والهوياتي والسياسي، بعيداً عن السلاح، سيقود لشكل خلاق من أشكال الدولة الحديثة. فالكرد كانوا محرومين من التعبير عن ثقافتهم ولغتهم وهويتهم وأعيادهم القومية مثل عيد النوروز، والتي يجب أن يتم الاعتراف بها كعيد قومي ورأس السنة الكردية، وليس عيد الربيع. وبالتالي هذه خطوة ينتظرها السوريون ونأمل أن تتحول لعامل استقرار للجغرافيا السورية.
المنحى القادم للمشهد الثقافي الكردي ضمن المنحى الدستوري السوري العام القادم، يفرض ضرورة وجود أدوار متناغمة للنخب الكوردية، ومؤثرة في إعداد وثيقة لتقديمها في الدستور القادم، لتعبر عن المطلب الكردي السياسي والثقافي، ويُبعد شعور الخزلان عنهم، ضمن الهويّة السورية الجامعة، بشكل يُعطي إنتاجاً فسيفسائياً رائع في سوريا.
كيف كان حال الجناح الكردي
مُشكلة الجناح أنه جُمعت محتوياته من مكتبات خاصة تضم كتباً ومخطوطات باللغة الكردية، إلى جانب وثائق وجمعيات وفعاليات ثقافية، ما يجعل الجناح بمثابة وثيقة ناقصة. ومن بين أبرز المعروضات التي تستقطب اهتمام الزوار كانت: مخطوطات كردية قديمة بخط اليد تتناول تاريخ الكرد. و غلاف أول مجلة كردية صدرت في دمشق عام 1932، ونسخة من أول جريدة كردية، إضافة إلى صور توثيقية نادرة لفعاليات ثقافية واجتماعية كردية قبل عهد النظام السابق، وصور لمقاومين كرد قاتلوا ضد الاحتلال الفرنسي، إضافة إلى تفسير لمعاني القرآن الكريم باللغة الكردية، وكتاب في الفقه الشافعي مكتوب باللغة الكردية.
الجمهور العربي غريب على الإنتاج الأدبي والفكري الكردي، لكثرة الحواجز السابقة السياسية منها واللغوية، إضافة لغياب قنوات الحوار الثقافي بين المكونات المختلفة، وعدم توفير منصات لعرض الأعمال الكردية وتسويقها خارج الدائرة الكردية.
وكل الكتب المعروضة كانت من الاستعانة بالأصدقاء، أو الكتب المعروضة في المكاتب، أو الاستعارة من البعض الآخر، وبلغ مجموع العناوين 150 كتاباً. مع ذلك شهد الجناح زخماً بالزوار، خاصة من الأوساط العربية والوسائل الإعلامية العربية والأجنبية، وزيارة شخصيات دينية وأدبية وسياسية من مختلف مناطق سوريا، أقبلوا على الجناح، والرغبة في الاضطلاع على الأدب الكردي.
والواضح أن حاجز اللغة، منع القارئ العربي من اقتناء كتاب باللغة الكردية، وصعوبة انفتاح دور النشر عليها، وصعوبة نشر الأعمال الأدبية باللغة الكردية، وهو ما يحتاج لتعاون مشترك بين الكرد والسلطة، وخاصة أن هذا الجناح خطوة جدية للاندماج الثقافي.
الجانب الآخر من الصوت الكردي
وخلال حديث كاتب المقال مع بعض الكتّاب والمترجمين الكرد حول هذا التحول هل هو بداية لانفتاح حركة الترجمة بين اللغة الكردية والعربية أم لا؟ تقاطعت بعض الإجابات أنه لاوجود لانفتاح حقيقي على اللغة الكردية في سوريا، فالسلطة الحاكمة اليوم تتعامل مع اللغة الكردية كسلاح سياسي ضدّ الحركة السياسية الكردية في سوريا وكأداة تلميع وترويج لنفسها أمام المجتمع الدولي.
مثلاً: لم يضم الجناح لأي دار نشر كردية سورية أو أي دور نشر كردية من كردستان العراق أو تركيا. ووصفها البعض الآخر أنه استهزاء أو ضحك على الكرد من حيث ضمّ بضعة كتب عن الكرد تمّ جمعها من المكتبات الخاصة بالإضافة إلى صور لبعض أغلفة كتبٍ تتحدث عن الكرد! وكأن الكرد مخلوقات هلامية غير منتجة لغوياً وثقافياً وليس لهم دور نشر وجمعيات ومؤسسات ثقافية متجذرة أصدرت عشرات الآلاف من الإصدارات.
البعض الآخر قال: إن هذا الجناح صوري يقزّم الكرد ولغتهم وثقافتهم، والأدهى أنه يتمّ عبر كرد جيدين لا يعرفهم الوسط الثقافي الكردي وليس لهم أي نتاجات ثقافية ولغوية كردية، ولذلك فهو يخلق ردَّ فعلٍ عكسيٍّ لدى الوسط الثقافي الكردي.
الواضح أن ثمة مشكلة أدب ولغة وثقافة بين الكرد والعرب، فلا يوجد مترجم عربي واحد يترجم بين اللغتين الكردية والعربية رغم أن الكرد والعرب يتشاركان المصير في دولتين هما سوريا والعراق، ومعظم ما يُترجم بين اللغتين الكردية والعربية يتمُّ عبر الكرد المتقنين للعربية والكردية. هذه النقيصة تكشف عن مقاربة العرب على المستوى الرسمي والشعبي للكرد ولغتهم وثقافتهم.
والتحول الحقيقي يكون عبر احتضان سوريا كدولة للغة الكردية، ويكون ذلك أولاً عبر الاعتراف الدستوري باللغة الكردية كلغةٍ رسمية في البلاد وما يتبع ذلك من اهتمام الدولة بها عبر فرضها كلغة تعليم في المدارس والجامعات إلى جانب العربية وتأسيس جامعات ومعاهد ومجامع لغوية وأكاديميات للترجمة منها وإليها وتقديم الدعم المادي والمعنوي في سبيل تعزيز ونشر اللغة الكردية.
تتنوع المواقف والآراء الكردية إزاء تخصيص جناحٍ للثقافة والمنشورات الكردية في معرض دمشق، وفي ظل غياب أيّ موقف رسمي من أيّ طرف كردي في سوريا، ومع ذلك الاختلاف. فإن اللغة والثقافة والهويّة الكردية، تظل تبقى بحاجة للكثير والكثير من الخطوات والأفعال والممارسات كي تُخفف من حمولة الإلغاء والتهميش التي لحقت بها على مر العقود الماضية.
شفان إبراهيم







