تستمر الارتفاعات السعرية المتلاحقة في قضم ما تبقى من القدرة الشرائية للمواطن، في وقت تبدو فيه الخيارات الحكومية محصورة بجدار الحماية الأخير لمعيشة الناس، في وقت تتفنن فيه الحكومة بابتكار طرق لرفع الدعم بأشكال متعددة ومبتكرة سواء كان ذلك عبر تحرير أسعار المحروقات وربطها بسعر صرف يفتقد الثبات والاستقرار ما يضع كل مكونات القطاعات الاقتصادية والمستهلك النهائي في مواجهة مباشرة مع التضخم المفرط، ويمتد أثر هذه القرارات كأحجار الدومينو، إذ إن رفع سعر الوقود يرفع تكاليف النقل والزراعة والصناعة فوراً، ما يتسبب بقفزات سعرية مرتدة تضاعف معاناة الأسواق وتعمق الركود التضخمي أو من خلال إجراءات غير مباشرة وتدريجية كتخفيض وزن ربطة الخبز أو عبر تخفيض عدد الأرغفة!
كثيرون يبررون هذا السلوك الحكومي، ويضعونه في خانة الإجراءات الاضطرارية الناجمة عن واقع صعب ونقص حاد في الإمكانات والموارد التي تسببت بها ممارسات النظام البائد، وهنا نؤكد أن توصيف الأزمة من الناحية الهيكلية صحيح، لكن ما يغيب عن بال المبررين، وصناع القرار على حد سواء، هو ميزان القدرة والاحتمال، فالمواطن اليوم أكثر إنهاكاً من الحكومة بكثير، فقد نالت السنوات العجاف الماضية من الأغلبية العظمى من المجتمع، وأردتهم في غيابات الفقر المدقع، حتى لم يعد لدى رب الأسرة القدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية لعائلته، فكيف يُطلب منه أن يساهم في دعم عجز الحكومة؟
إن استسهال الجباية المباشرة يعكس عجزاً في الابتكار المالي، ويحمل مخاطر اجتماعية واقتصادية جسيمة، حيث إن الأسواق لا يمكنها الحركة بجيوب خاوية، وأدى حبس السيولة من خلال السياسات الانكماشية القاسية إلى شلل المبيعات وتوقف الدورة النقدية الطبيعية.

إن القاعدة الاقتصادية الأساسية في أوقات الأزمات المركّبة تفرض على السياسة النقدية والمالية حماية القوة الشرائية كشرط مسبق لأي عملية إصلاح، وكان الأجدى بالحكومة الحفاظ على الدعم الاجتماعي والسلعي، ولو في حدوده الدنيا، لمنع الانزلاق الكامل نحو خط الفقر المطلق.
أما البحث عن موارد لتمويل الخزينة وجيوب الحكومة، فلا يمر عبر زيادة الجباية من قطاعات منكمشة أو من قنوات استهلاك جافة، بل يتطلب سياسات اقتصادية هيكلية تدعم الإنتاج المحلي أولاً وأخيراً.
إن الحل المستدام يبدأ بتنشيط النظام الائتماني لدى المصارف عبر إطلاق حزم تمويلية ميسرة بفوائد مخفضة، وضخ السيولة المحبوسة في شرايين الاقتصاد الحقيقي بدلاً من تجميدها في الخزائن تحت ذريعة كبح التضخم، ويجب توجيه هذا التمويل بشكل صارم نحو دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تشكل العصب الحيوي للتشغيل والدخل، مع تقديم إعفاءات ضريبية مؤقتة للمنتجين ترتبط بحجم التشغيل والإنتاج الفعلي.
إن تحفيز الإنتاج هو السبيل الوحيد لتأمين احتياجات السوق المحلية، وبالتالي تخفيض فاتورة الاستيراد التي تضغط على احتياطيات النقد الأجنبي، وفي مرحلة لاحقة، يتحول هذا الإنتاج إلى صادرات تدر القطع الأجنبي وتساهم في استقرار سعر الصرف بشكل طبيعي وديناميكي، بعيداً عن التدخلات الإدارية القسرية أو الحلول المؤقتة التي لا تعالج جذور الأزمة الهيكلية.
الحكومات لا تبني اقتصاداً من جيوب مواطنيها إذا كانت تلك الجيوب خاوية، والاعتماد على جيب المواطن “المبخوش” كوسيلة لضبط التوازن المالي هو رهان خاسر، في ظل اقتصاد مأزوم يدور في حلقة مفرغة، والإصلاح الحقيقي يبدأ من المعمل والحقل والمصرف، وليس من منافذ بيع الخبز والوقود.







