سوريا تدين استهداف أراضي البحرين والكويت والأردن بطائرات وصواريخ مصدرها إيران وتؤكد أنّ أمن واستقرار الدول العربية جزء لا يتجزأ من أمن واستقرار المنطقة ككل

البعثات الدبلوماسية والقنصلية الإفريقية في سوريا تحتفل بيوم إفريقيا

وزير الزراعة يبحث مع سفير الإمارات التعاون وفرص الاستثمار الزراعي

إنذار بإخلاء مدينة صور اللبنانية وسط نزوح كثيف وسقوط ضحايا

عاجل – مقر خاتم الأنبياء الإيراني يعلن وقف الهجمات على إسرائــيل

المزيد

‫آخر الأخبار:‬

حين تصبح الحدود فرصة..الممر السوري–الأردني وإعادة تموضع التجارة الإقليمية

‫شارك على:‬
20

في لحظة تتقاطع فيها اعتبارات الجغرافيا مع ضرورات الاقتصاد، يعود الحديث عن الممر البري بين سوريا والأردن بوصفه أكثر من مجرد مسار نقل إقليمي، بل كاحتمال لإعادة هندسة العلاقات التجارية في شرق المتوسط وربط أسواق الخليج بتركيا وأوروبا عبر قناة برية مباشرة.

في منطقة اعتادت أن تعكس طرقها التجارية خرائط السياسة لا خرائط الاقتصاد، يكتسب الحديث المتجدد عن الممر البري بين سوريا والأردن دلالة تتجاوز الطابع الثنائي التقليدي. فالمسألة لا تتعلق بإعادة فتح معبر حدودي فقط، بل بمحاولة إعادة إدخال الجغرافيا إلى منطق الاقتصاد الإقليمي، عبر إحياء ممر محتمل يمكنه، نظرياً، ربط الخليج العربي بتركيا وأوروبا مروراً بالمشرق.

غير أن هذا الطموح رغم وضوح منطقه الجغرافي – حسب الخبير الاقتصادي د.باسم المصطفى- يصطدم بحقيقة أكثر تعقيدًا: فالممرات التجارية لا تُبنى بالإعلانات السياسية، بل تُصنع عبر منظومات تشغيل دقيقة تشمل كفاءة الجمارك، واستقرار القواعد التنظيمية، وانسيابية النقل، والأهم من ذلك القدرة على ضمان تدفق مستمر يمكن التنبؤ به.

ممر جاهز جغرافيا.. لكنه غير مكتمل وظيفياً:

المسافة بين دمشق وعمّان قصيرة، لكن الفجوة الاقتصادية بينهما لا تُقاس بالكيلومترات بل بسنوات من الانقطاع وعدم انتظام التدفقات التجارية. فالمسار الذي كان يؤدي وظيفة تجارية طبيعية في السابق، بات اليوم يعمل بشكل جزئي ومحدود، دون أن يستعيد وظيفته كممر ترانزيت إقليمي فعّال.

وتشير تقديرات اقتصادية في قطاع النقل إلى أن تحسين كفاءة العبور الحدودي وتقليص الإجراءات البيروقراطية يمكن أن يؤديا إلى خفض تكاليف النقل بنسب قد تتراوح بين 15% و30%، وفق طبيعة البضائع والبدائل اللوجستية المتاحة. لكن هذه الأرقام، رغم أهميتها، تظل مؤشرات اتجاهية أكثر من كونها نتائج ثابتة، لأن العامل الحاسم هو حجم التدفقات واستمراريتها.

بين الترانزيت وإعادة التموضع الإقليمي

 

المنطق الاقتصادي لإعادة تفعيل هذا المسار يقوم على ثلاثة محاور مترابطة:

– الترانزيت الإقليمي:

إمكانية أن يتحول الممر إلى جزء من شبكة نقل تربط الخليج العربي بتركيا وأوروبا عبر البر، وهو سيناريو يعتمد على درجة اندماج البنية اللوجستية الإقليمية.

-إعادة توازن التجارة الثنائية:

التبادل التجاري بين سوريا والأردن، الذي كان في مستويات أعلى تاريخياً، لا يزال دون إمكاناته الفعلية، ويحتاج إلى إعادة بناء تدريجي لسلاسل الإمداد والعلاقات التجارية.

– تنويع طرق التجارة العالمية:

في ظل تقلبات الشحن البحري وارتفاع المخاطر الجيوسياسية، باتت الممرات البرية تُطرح كخيارات مكملة تمنح التجارة العالمية هامشاً أكبر من المرونة، حتى لو بقيت ثانوية مقارنة بالنقل البحري.

دور القطاع الخاص: من السياسة إلى التشغيل

يرى المصطفى ان التحول من “ممر سياسي محتمل” إلى “ممر اقتصادي فعّال” لا تحدده الحكومات وحدها. فالتجربة تشير إلى أن القطاع الخاص—شركات النقل، وغرف التجارة، والمستوردين والمصدرين— هو من يحدد فعلياً ما إذا كانت الطرق تعمل أم تبقى مجرد خطوط على الخرائط.

ومن دون هذا الفاعل، تبقى أي ترتيبات رسمية عرضة للاستخدام المحدود، بينما تبدأ الفاعلية الحقيقية من تفاصيل التشغيل اليومية: التخليص الجمركي، إدارة الشاحنات، التخزين، والتكامل اللوجستي عبر الحدود.

الطاقة كمجال موازٍ للتكامل:

إلى جانب التجارة، يبرز ملف الطاقة كمسار محتمل للتعاون، سواء عبر الربط الكهربائي أو مشاريع الطاقة المتجددة أو تبادل الخبرات الفنية. غير أن هذا النوع من التكامل غالباً ما يكون تابعاً لمدى نضج العلاقات الاقتصادية الأوسع، وليس بديلاً منها.

بمعنى آخر، الطاقة لا تسبق التجارة عادة، بل تستند إلى بيئة اقتصادية أكثر استقراراً واتساعاً.

بين الإمكان والواقع..

تتداول بعض التقديرات نطاقات واسعة لحجم التجارة المحتمل أو تدفقات الترانزيت في حال تطوير الممر بشكل كامل، إلا أن هذه السيناريوهات تبقى مشروطة بعوامل تشغيلية معقدة، أبرزها البنية التحتية، والاستقرار التنظيمي، وقدرة الأطراف على بناء ثقة تجارية طويلة الأمد.

والأقرب للواقع في المدى القصير ليس انفجاراً في الأرقام، بل نمو تدريجي في حركة الشاحنات، وتحسن في زمن العبور، وعودة بطيئة لسلاسل التوريد الإقليمية.

ممر بلا ضمانات بعد:

واخير نجد ان الممر السوري–الأردني يعكس معادلة مألوفة في الاقتصاد الإقليمي -منطق جغرافي قوي يقابله واقع مؤسسي غير مكتمل.- وبين هذين الحدّين، يبقى المسار أقرب إلى فرصة اقتصادية مفتوحة منه إلى بنية تجارية مكتملة.

تحويله إلى محور فعّال لن يعتمد على الإعلان عن النيات، بل على تفاصيل أقل بريقًا وأكثر أهمية: كيف تُدار الحدود، كيف تتحرك الشاحنات، وكيف يُبنى نظام يسمح للتجارة بأن تعمل كعملية مستمرة لا كحدث سياسي.

وفي هذه التفاصيل تحديدا، يُحسم مستقبل الممر: إما أن يصبح شرياناً إقليمياً جديداً، أو يبقى فكرة اقتصادية منطقية لم تكتمل أدواتها بعد.