في ظل زيارة وزير الخارجية الأردني والوفد المرافق له اليوم تتعزز مؤشرات انتقال العلاقات بين دمشق عمان من إطارها السياسي التقليدي إلى أنموذج شراكة اقتصادية إنتاجية قائمة على الاستثمار المباشر وسلاسل القيمة الإقليمية، لا سيما مع تنامي دور القطاع الخاص في البلدين كمحرك أساسي لإعادة بناء الروابط الاقتصادية.
وخلال الفترة الأخيرة، شهدت العلاقات الثنائية حراكاً مؤسسياً متدرجاً، تمثل بزيارات سورية إلى عمّان على مستويات وزارية، شملت وزارة الخارجية ومجلس التعليم العالي ووزارة الطاقة بشكل رئيسي، ما يعكس تحوّلاً نحو دبلوماسية اقتصادية قائمة على ملفات ملموسة مثل التعليم، الطاقة، والنقل كذلك. كما ترافقت هذه التحركات مع مشاركة متزايدة لرجال الأعمال الأردنيين في السوق السورية، سواء عبر الوفود الاقتصادية أو عبر المعارض المتخصصة، وأبرزها معرض البناء بيلدكس 2026 المقام حالياً في أرض مدينة المعارض، والذي يُعد منصة لإعادة تعريف فرص الاستثمار في قطاع إعادة الإعمار.
الأكاديمي في جامعة إدلب الدكتور مصعب الشبيب بين أنه من منظور اقتصادي بحت، يمكن قراءة العلاقة السورية–الأردنية ضمن مفهوم التكامل الإنتاجي الإقليمي، حيث تمتلك سوريا عناصر إنتاجية (أرض، موقع، يد عاملة) بينما يمتلك الأردن خبرات في الإدارة، التمويل الجزئي، والخدمات اللوجستية، ما يسمح بتشكيل سلاسل قيمة مشتركة في قطاعات الطاقة، الإنشاءات، والصناعة التحويلية.

وفي قطاع الطاقة، تبرز إمكانية تطوير أنموذج الربط الكهربائي الإقليمي متعدد المصادر، عبر استثمارات في محطات تحويل وتوليد مشتركة، خصوصاً الطاقة الشمسية، مع إمكانية تقليص كلفة الكيلوواط/ساعي في سوريا تدريجياً بنسبة قد تصل إلى 20–30 بالمئة عند استقرار الربط الإقليمي. كما يمكن إعادة تفعيل مشاريع تبادل الغاز والكهرباء ضمن الممر العربي للطاقة، ما يخلق سوقاً إقليمية أكثر كفاءة.
أما في قطاع النقل، فإن الأردن يشكل نقطة عبور استراتيجية نحو الخليج، ما يجعل الاستثمار في الموانئ البرية، والخدمات اللوجستية، وإعادة تأهيل الطرق الدولية، مشروعاً ذا عائد مضاعف. فضلاً عن النقل السككي الذي أعلن عن بواكير إطلاقه وزير النقل التركي من تركيا إلى الخليج عبر الأردن. إن إعادة تشغيل سلاسل التصدير عبر معبر نصيب الحدودي يمكن أن يرفع حجم التجارة البينية بنسبة تتراوح بين 40 بالمئة إلى 60 بالمئة خلال ثلاث سنوات في حال تخفيف القيود اللوجستية والتمويلية.
وفي قطاع الصحة، يمكن اعتماد أنموذج الشراكة الإنتاجية الصحية، عبر إنشاء مصانع أدوية مشتركة ومراكز تصنيع تجهيزات طبية، بما يخفف فاتورة الاستيراد السورية التي تُقدّر بمئات ملايين الدولارات سنوياً، ويحوّلها تدريجياً إلى إنتاج محلي مشترك.








