لم تعد أزمة المصارف العامة السورية مجرد مشكلة في السيولة أو ضعف في الخدمات المصرفية بل تحوّلت إلى اختبار حقيقي لقدرة القطاع المالي على مواكبة مرحلة إعادة الإعمار وتحريك الاقتصاد.
أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة الدكتور عبد الرحمن محمد يضع الإصبع على جوهر المشكلة في حديثه لـ”الوطن” مؤكداً أن القطاع المصرفي يعاني اختلالاً في وظيفته الأساسية، وأن الإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يبدأ من الإجراءات التجميلية بل من تغيير نموذج العمل المصرفي نفسه.
فقدان الثقة

ويصف محمد أداء المصارف الحكومية بأنه متعثر بشكل كبير وأقرب إلى وسيط مالي معطّل، و أن المشكلة لا تكمن في حجم الموجودات فقط وإنما في الطريقة التي تؤدي بها هذه المؤسسات دورها الاقتصادي.
ويأتي فقدان الثقة في مقدمة المشكلات ولا تتوقف المشكلة عند هذا الحد إذ تعاني المصارف تقادماً تكنولوجياً واضحاً وبنية تحتية متهالكة وغياب الخدمات المصرفية الرقمية الحقيقية، فضلاً عن الانقطاع عن شبكة سويفت العالمية ما يجعل التعاملات الخارجية شديدة الصعوبة.
كما تتعرّض الأصول والخصوم الاسمية للتآكل بفعل التضخم في وقت تتركز فيه الغالبية العظمى من الودائع في المصرف العقاري والمصرف التجاري، وهو ما يعكس، بحسب محمد، ضعف التنافسية والانتشار الوظيفي.
الاستقلالية أوّل شروط الإنقاذ
ويؤكد محمد أن إصلاح القطاع المصرفي يحتاج إلى رؤية شاملة وليس إلى حلول تجميلية، مشدّداً على أن الخطوة الأولى تبدأ بتحرير الإدارة ومنح المصارف استقلالية كاملة عن القرار الحكومي المباشر.
ويطرح في هذا السياق تشكيل مجالس إدارة مهنية مستقلة تعمل وفق معايير الحوكمة وتحاسب على النتائج وليس على تنفيذ التعليمات الإدارية ، ويأتي إصلاح هيكل الموجودات كخطوة ثانية من خلال معالجة الديون المتعثرة وغير القابلة للتحصيل، وخاصة ديون شركات القطاع العام عبر شطبها مقابل سندات حكومية وإعادة هيكلة الميزانيات بما يسمح للمصارف ببدء مرحلة جديدة.
أما التحوّل التكنولوجي فيمثّل شرطاً لا غنى عنه من خلال الانتقال إلى “الموبايل بنكنج” والمحافظ الإلكترونية ونظام الدفع الفوري وبناء شراكات مع شركات تكنولوجيا متخصصة.
وبالتوازي يرى محمد أن تطوير الموارد البشرية يجب أن يرافق الإصلاح عبر الانتقال من ثقافة الموظف الحكومي إلى ثقافة المصرفي المحترف من خلال التدريب الحديث وربط الأجور بالأداء والإنتاجية
الدمج بدل تشتيت الموارد
وفي ملف هيكلة المصارف العامة يرجّح محمد خيار الدمج باعتباره الأكثر عقلانية في المرحلة الراهنة مع الحفاظ على التخصص ضمن كيانات مصرفية أكبر.
ويعتبر أن تعدّد المصارف العامة بتخصصات ضيقة مثل الصناعي والزراعي والعقاري والتسليف الشعبي بات عبئاً على القطاع المصرفي بسبب تشتّت الموارد وخلق تنافس سلبي في وقت تعاني فيه هذه المصارف من نقص السيولة وضعف الكفاءة.
ويطرح إمكانية دمج المصرف الصناعي والمصرف الزراعي ومصرف التسليف الشعبي في بنك للتنمية الصناعية والزراعية برأس مال ضخم أو دمجها جميعاً تحت مظلة المصرف التجاري لتشكيل كيان مصرفي كبير قادر على المنافسة وإدارة المخاطر.
ويؤكد أن الدمج لا يعني إلغاء التخصّص، وإنما إعادة تعريفه من خلال نوافذ تمويل متخصّصة داخل البنك الكبير بما يحقّق وفورات الحجم ويرفع الكفاءة التشغيلية.
ويشير إلى أن التخصّص القطاعي الضيق أثبت فشله عالمياً وعربياً، بينما يتجه القطاع المصرفي إلى المصارف الشاملة القادرة على تنويع الخدمات وإدارة المخاطر بكفاءة أكبر.
ثلاثة مفاتيح لإعادة بناء المصارف
ويلخص الدكتور عبد الرحمن محمد جوهر الأزمة المصرفية السورية في غياب نموذج العمل السليم أكثر من كونها أزمة نقص في الموارد،
ويرى أن الحل يحتاج إلى قرار سيادي بوقف التعامل مع المصارف كحصالات لتمويل العجز والبدء بإصلاح حوكمي جذري يعيدها إلى وظيفتها كمؤسسات وساطة مالية تخدم الاقتصاد الحقيقي.
ويحذّر من أن استنساخ تجارب الدول الأخرى من دون بناء المؤسسات والحوكمة القادرة على إدارة الإصلاح لن يحقّق النتائج المطلوبة.
ويحدّد الأولويات بثلاثة مسارات تبدأ بالاستقلالية الإدارية الكاملة ثم إصلاح شامل للميزانيات وصولاً إلى الدمج الاستراتيجي الذي يخلق كيانات مصرفية قادرة على قيادة عملية إعادة الإعمار.







