قبل ساعات من انتهاء مهلة استبدال العملة القديمة، بدأت الأسواق تشهد مؤشرات جديدة تعكس تحديات المرحلة الانتقالية، إذ برزت شكاوى من ندرة الفئات النقدية الصغيرة، لا سيما 10 و25 ليرة جديدة، مقابل استمرار تداول الأوراق النقدية القديمة من فئة 500 ليرة في عدد من المحال التجارية والبقاليات لتأمين “الفكة”، ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه المخاوف من انتقال عملية الاستبدال إلى مرحلة السحب عبر الإيداع في الحسابات المصرفية، وسط استمرار أزمة السيولة وقيود السحب، ما يثير تساؤلات حول قدرة المواطنين على الوصول إلى أموالهم بسهولة، رغم استقرار سعر الصرف، في ظل شكاوى متزايدة من انحسار السيولة النقدية في الأسواق.
حذف الأصفار… خطوة لم تكتمل
رأى الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي أن انتهاء عملية استبدال العملة السورية من دون صدور قرار واضح من مصرف سوريا المركزي بشأن الفئات النقدية الصغيرة يجعل الخطوة المنجزة ناقصة، بل قد تكون أكثر خطورة من الخطوة المنجزة.
وأوضح أن إعادة هيكلة العملة، سواء عبر حذف الأصفار أم إعادة تصميم الفئات النقدية، ليست مجرد إجراء شكلي، وإنما تمس الوظائف الأساسية للنقود بوصفها وحدة لقياس القيمة ووسيطاً للتبادل ومخزناً للقيمة، وفي الحالة السورية فإن حذف الأصفار وغياب الفئات الصغيرة لم يؤديا إلى تحسن البيئة النقدية، بل ساهما في تعميق التشوه ورفع مستويات التضخم وإضعاف قدرة قدرة الليرة على تثبيت سعر صرفها أمام الدولار.
كما رأى الخبير المصرفي أن حذف الأصفار كان يفترض أن يحقق ثلاثة أهداف رئيسة تتمثل في تبسيط العمليات الحسابية، وتحسين الانطباع النفسي عن قيمة العملة، وتسهيل عمليات التسعير وإعادة الانضباط إلى الأسواق، إلا أن ما حدث عملياً هو استمرار الأسواق في التسعير بمنطق الليرة القديمة، إذ بقيت الأسعار تعتمد على أجزاء الليرة القديمة، في وقت لا تمتلك فيه الليرة الجديدة أجزاء عشرية أو فئات صغيرة تسمح بقياس القيمة بدقة.
وحسب قوشجي، فقد أوجد ذلك حالة نقدية هجينة، إذ أصبحت هناك عملة جديدة للتداول، في مقابل استمرار العملة القديمة كمرجع للتسعير، الأمر الذي حال دون تحقيق الهدف الأساسي من حذف الأصفار، وجعل من الضروري إصدار قرار واضح يلزم بالتسعير بالعملة الجديدة، مع تشديد الرقابة على الأسواق لمنع استغلال غياب الفئات الصغيرة ورفع الأسعار من خلال التقريب إلى الأعلى بدلاً من احتساب الفروقات لمصلحة المستهلك.
غياب الفئات الصغيرة يسبب تضخماً بنيوياً
ويعتبر قوشجي أن غياب الفئات النقدية الصغيرة، لا سيما الفئات الأقل من 10 ليرات جديدة، يسبب ظاهرة خطرة تتمثل في التقريب الإجباري للأسعار، فعندما يكون السعر الحقيقي لسلعة ما 23 ليرة، ولا يمتلك المواطن سوى فئة 25 ليرة، فإنه يضطر عملياً إلى دفع مبلغ أعلى من القيمة الفعلية.
وأشار إلى أن هذه الظاهرة تؤدي إلى ارتفاع التكلفة اليومية على المستهلك، وإيجاد موجة تضخمية لا ترتبط بالعرض والطلب أو بزيادة الكتلة النقدية أو تراجع الإنتاج، وإنما تنشأ نتيجة تصميم هيكل العملة نفسه، كما تضعف قدرة الليرة على أداء وظيفتها الأساسية كوحدة دقيقة لقياس القيمة.
انعكاسات على سعر الصرف
ورأى قوشجي أن سعر صرف الليرة لا يتحدد وفق العرض والطلب على الدولار فقط، وإنما يتأثر أيضاً بكفاءة العملة المحلية في أداء وظائفها الاقتصادية.
وعندما تصبح الليرة عاجزة عن قياس القيمة بدقة أو عن دعم بنية سعرية مستقرة، فإن ذلك ينعكس بصورة مباشرة على سعر صرفها.
وأضاف: إن غياب الفئات الصغيرة يسهم في اتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازي، لأن الأسعار الحقيقية تتشكل في سوق غير منضبط، بينما يبقى السعر الرسمي محدداً إدارياً، ويضرب مثالاً بسعر صرف الدولار الرسمي البالغ 121.5 ليرة جديدة، مشيراً إلى أن غياب الفئات الصغيرة يجعل التعامل مع كسور الليرة غير ممكن عملياً، ما يحصر التسعير بين أرقام مقربة ويفتح الباب أمام اتساع الفجوة بين السعرين أو حتى إعادة النظر في السعر الرسمي.
كما لفت إلى أن موجات التقريب الإجباري للأسعار تؤدي تدريجياً إلى تآكل القدرة الشرائية لليرة، بما ينعكس سلباً على قوتها أمام الدولار حتى في حال عدم حدوث تغيرات جوهرية في الاقتصاد الحقيقي.
إصلاح نقدي متكامل
وخلص قوشجي إلى أن حذف الأصفار من دون استكمال هيكل الفئات النقدية، ومن دون إعادة تنظيم آليات التسعير، سيقود إلى تضخم بنيوي مستمر وتشوهات نقدية أعمق، ويزيد الضغوط على سعر صرف الليرة.
وأكد أن نجاح أي إصلاح نقدي لا يتحقق بمجرد إصدار عملة جديدة، وإنما يتطلب استكمال منظومة الفئات النقدية بما يغطي كل الاحتياجات اليومية، إلى جانب تنفيذ إصلاحات إنتاجية، وتعزيز الرقابة على الأسواق، وضبط آليات التسعير، لأن النقد ليس مجرد شكل جديد للأوراق، بل هو منظومة اقتصادية متكاملة لا تؤتي نتائجها إلا إذا اكتملت كل عناصرها.






