رفع أسعار المحروقات ليس قراراً عابراً، بل ضربة مباشرة لجيوب المواطنين، خصوصاً في ظل غلاء المعيشة وثبات الدخول وعجزها عن مواكبة أي زيادة جديدة.
الحكومة، من جهتها، لم تعد قادرة على الاستمرار في دفع تكلفة الدعم وتحمل الفوارق السعرية، بعدما تحولت فاتورة تأمين المشتقات النفطية إلى عبء مالي خانق، لكن صعوبة الوضع المالي لا تعني أن يتحمل المواطن وحده تكلفة الأزمة، إذ كان يفترض أن ترافق القرار بإجراءات واضحة لحمايته وإدارة انعكاساته بشفافية، لا أن تقتصر المعالجة على رفع الأسعار.
المطلوب اليوم ليس تبرير الرفع، بل حماية المواطن عبر بدائل واضحة ودعم الفئات الأكثر تضرراً، إلى جانب مراجعة حقيقية للإنفاق والهدر، حتى لا تصبح جيوب المواطنين الحل الأسهل لكل أزمة مالية. الخبير الاقتصادي والباحث الدكتور محمود عبد الكريم يرى في حديثه لـ “الوطن” أن الحل المنطقي للتعامل مع تداعيات رفع أسعار المحروقات لا يتمثل في عودة الحكومة إلى خفض الأسعار، في ظل وجود مشكلة حقيقية تتعلق بالتكلفة وعدم قدرة الدولة على تحمل دعم شامل كما كان سابقاً، وإنما في الوصول إلى حل وسط يحافظ على استدامة قطاع الطاقة، ويخفف في الوقت نفسه من الأعباء التي يتحملها المواطن.
تكلفة الاستيراد تضغط
ويشير عبد الكريم إلى أن سوريا تستورد جزءاً كبيراً من حاجتها إلى المحروقات، إذ تبلغ نسبة المستورد من المازوت، حسب الأرقام المتداولة، نحو 74 بالمئة، ومن البنزين نحو 81 بالمئة، فيما تصل نسبة الغاز المنزلي المستورد إلى نحو 96 بالمئة، لافتاً إلى أن ارتفاع أسعار النفط عالمياً ينعكس بشكل مباشر على أسعار المشتقات الجاهزة، وبالتالي على تكلفة الاستيراد.
ويضيف: إن هذه الضغوط تأتي في وقت تعاني فيه الدولة أصلاً من عجز مالي واضح، إذ وصل العجز خلال النصف الأول من عام 2026 إلى أكثر من مليار دولار، ما يعني أن الموازنة تواجه ضغوطاً كبيرة، وبالتالي فإن تحمل الدولة كامل فرق الأسعار ليس أمراً سهلاً.
زيادة لا يستطيع المواطن تحملها
في المقابل، يرى عبد الكريم أن المواطن لا يمتلك القدرة على تحمل زيادة بنسبة 40 بالمئة دفعة واحدة، مشيراً إلى ارتفاع سعر المازوت من 125 ليرة إلى 175 ليرة.
ولتوضيح العبء الكبير الذي تعرض له المواطن يسوق مثالاً أن 50 ليتراً من المازوت كانت تكلف 6250 ليرة، بينما أصبحت تكلفتها اليوم 8750 ليرة، أي بزيادة قدرها 2500 ليرة مقابل الكمية نفسها.
ويشير إلى أن هذا الرقم يصبح كبيراً جداً عند مقارنته بالحد الأدنى للأجور البالغ 12560 ليرة، بمعنى أن شراء 50 ليتراً من المازوت وحدها بات يستهلك نحو 70 بالمئة من الحد الأدنى للأجر.
الزيادة ليست عند محطة الوقود فقط
ويؤكد عبد الكريم أن المشكلة لا تتوقف عند فرق السعر الذي يدفعه المواطن مباشرة عند الشراء من المحطة، لأن أثر ارتفاع المحروقات سينتقل أيضاً إلى النقل والخضار والمواد الغذائية وتكاليف أي سلعة تحتاج إلى النقل أو التبريد أو المولدات أو الطاقة في عملية الإنتاج.
ويرى أن العودة إلى دعم كل ليتر من المازوت والبنزين في السوق ليست الحل الأفضل، لأن هذا النوع من الدعم مكلف ويمكن أن يستفيد منه الغني والفقير في الوقت نفسه، بينما الأفضل، حسب رأيه، أن يبقى السعر قريباً من التكلفة الحقيقية، على أن يجري في المقابل تعويض المواطن المتضرر فعلياً من الزيادة.
دعم للأسر الأقل دخلاً
ويقترح عبد الكريم تقديم دعم نقدي مباشر للأسر ذات الدخل المنخفض لفترة شهرين أو ثلاثة، ولا سيما إذا كانت الحكومة تعتبر أن الارتفاع الحالي مؤقت، معتبراً أن هذا النوع من الدعم أكثر كفاءة من العودة إلى الدعم الشامل.
ويشير إلى إمكانية اعتماد آلية مماثلة في قطاع النقل العام، من خلال دعم السرافيس والباصات بشكل مباشر، بحيث تحصل على كمية محددة من المازوت بسعر أقل، أو تحصل على تعويض عن فرق السعر مقابل الالتزام بتعرفة نقل محددة.
ويشرح أن هذه الآلية تسمح بتوجيه الدعم إلى وسيلة النقل التي يستخدمها عشرات المواطنين يومياً، بدلاً من دعم ملايين الليترات التي يمكن أن يذهب جزء منها إلى السيارات الخاصة أو إلى استهلاك غير أساسي.
قطاعات تحتاج إلى دعم مراقب
ويؤكد عبد الكريم ضرورة عدم إغفال القطاع الزراعي، لأن المزارع سيتحمل زيادة بنسبة 40 بالمئة في سعر المازوت، ومن الطبيعي أن يحاول نقل هذه الزيادة إلى أسعار الخضار والفواكه والمنتجات الزراعية، وفي النهاية سيدفع المواطن هذه التكلفة في السوق.
ولذلك يرى عبد الكريم أن هذه القطاعات يمكن أن تحصل على دعم محدود ومراقب، بما يخفف انتقال أثر ارتفاع المحروقات إلى أسعار المنتجات الأساسية.
لماذا لم توزع الزيادة على مراحل؟
ويرى عبد الكريم أن الزيادة كان يمكن ألا تفرض دفعة واحدة، فإذا كان ارتفاع الأسعار العالمية مؤقتاً كما يقال، كان بإمكان الحكومة توزيع الزيادة على مرحلتين أو ثلاث مراحل، بحيث لا يتحمل المواطن زيادة الـ40 بالمئة دفعة واحدة.
ويعتبر أن تطبيق الزيادة تدريجياً كان سيمنح المواطن وقتاً للتكيف مع السوق، ويخفف من حدة الصدمة، ولا سيما إذا استمرت الأسعار العالمية المرتفعة.
الشفافية شرط أساسي
ويشدد عبد الكريم على أن الشفافية يجب أن تكون جزءاً أساسياً من معالجة الملف، حيث يعرف المواطن كيف وصل سعر ليتر المازوت إلى 175 ليرة، موضحاً أن الحكومة مطالبة بتوضيح سعر الشراء، وتكلفة النقل والتأمين والتوزيع، وصولاً إلى التكلفة النهائية.
ويضيف إنه إذا ارتفع السعر العالمي وأدى ذلك إلى ارتفاع السعر المحلي، فيجب أن تعمل المعادلة في الاتجاه المعاكس أيضاً، حيث ينخفض السعر المحلي عندما تنخفض الأسعار العالمية، وألا تكون العلاقة باتجاه واحد فقط.
ويشير عبد الكريم إلى إمكانية تعويض الأسر عن جزء من فرق سعر المازوت، موضحاً أنه حتى لو استفاد مليون شخص من هذا الدعم لمدة شهرين، فإن تكلفته ستكون بالتأكيد أقل بكثير من العودة إلى دعم شامل للمازوت والبنزين في السوق.
ويؤكد أن الحل يجب أن يكون في المنتصف، فمن غير المنطقي مطالبة الحكومة بالعودة إلى السعر القديم وتحمل كامل الخسارة، في وقت تعاني فيه أصلاً من عجز ومشكلة في تأمين المحروقات، كما أنه من غير المنطقي في المقابل مطالبة المواطن بتحمل زيادة بنسبة 40 بالمئة، في حين أن دخله لم يرتفع بالنسبة نفسها وقدرته الشرائية ضعيفة أصلاً.
ويخلص عبد الكريم إلى أن المعادلة الأفضل، اقتصادياً واجتماعياً، تتمثل في الإبقاء على سعر قريب من التكلفة الحقيقية، بالتوازي مع تقديم دعم مباشر للمواطن، ودعم النقل العام والزراعة، وتطبيق الزيادة بصورة تدريجية.
ويرى أن هذه الصيغة تسمح للدولة بتجنب تحمل دعم مفتوح لا تستطيع الاستمرار فيه، وفي الوقت نفسه تمنع أن يكون المواطن هو الطرف الوحيد الذي يدفع ثمن أزمة الطاقة والعجز المالي، معتبراً أن الوصول إلى هذه المعادلة هو الحل الأفضل اقتصادياً واجتماعياً.









