المزيد

‫آخر الأخبار:‬

“حب ع ورق”.. عندما لا تكفي الصورة الجميلة لإنقاذ الحكاية

‫شارك على:‬
20
مصعب أيوب
الوطن -

لم يحاول “حب ع ورق” أن يخفي هويته منذ بداية عرضه، فهو مسلسل رومانسي خفيف، مبني على وصفة تركية مجرّبة، ومعرّبة بممثّلين عرب وبيئة عربية.
الوصفة بحد ذاتها ليست مشكلة، وخصوصاً أن هذا النوع من الأعمال لديه جمهوره، لكن المشكلة تبدأ عندما نشعر بتقادم الحلقات أن التعريب بقي في حدود الشخصيات واللغة، بينما ظلت روح العمل ومزاجه، وحتى تفاصيل حياته اليومية قادمة من مكان آخر.
المسلسل مأخوذ عن “أنت أطرق بابي”، ولذلك يعرف جزءاً كبيراً من الجمهور إلى أين تسير الحكاية، ومع ذلك، استطاع بطلا المسلسل أنس طيارة وهيا مرعشلي أن يمنحا الشخصيتين الرئيسيتين شيئاً من حضورهما الخاص، “طيارة” في دور “أوس” لم يحاول تقليد “كرم بورسين” حرفياً، وقدّم رجل الأعمال الصارم بطريقة أقرب إلى أدائه هو، ومع الوقت ظهرت في الشخصية مساحة إنسانية أفضل من الصورة الأولى التي يظهر بها.
فيما كانت “مرعشلي” أكثر راحة في شخصية “لين”، فيها خفة وحيوية، ولم تبدُ وكأنها تؤدي دوراً مكتوباً فقط، وهذا ينعكس خصوصاً في مشاهدها مع “طيارة”، إذ إن الانسجام بين الاثنين كان من الأسباب التي تجعل المشاهد يكمل الحلقة حتى عندما لا تكون الأحداث نفسها قوية بما يكفي.
أما السيناريو الذي كتبته لبنى مشلح ومي حايك فقد حاول ألا ينسخ النسخة التركية حرفياً، بل أُضيفت شخصيات وخطوط جديدة، وربما كان خط “جمال/ميشيل حوراني” و”هالة/ديمة الجندي”، من أكثر هذه الإضافات حضوراً، فعلاقتهما بدت أهدأ وأكثر نضجاً من كثير من العلاقات المحيطة بالقصة الرئيسية، وأعطت المسلسل في بعض الحلقات مساحة مختلفة عن الرومانسية المعتادة بين البطلين.
كما أن ظهور سارة ذوق وطارق عبدو وغيرهما من الوجوه الشابة أعطى العمل شيئاً من الحيوية، وخصوصاً في المشاهد التي حاولت الاقتراب من لغة الشباب وعلاقاتهم.
وإذا كان هناك عنصر لا يمكن الاختلاف عليه تقريباً فهو الصورة، المخرج “إندر إيمير” قدّم مسلسلاً أنيقاً بصرياً، الديكورات فخمة، الملابس مختارة بعناية، والإضاءة والألوان تعمل طوال الوقت على تقديم صورة جذابة، أما المشكلة فهي أن هذه الصورة نفسها تصبح أحياناً جزءاً من المشكلة.
فكل شيء يبدو جميلاً أكثر مما ينبغي، البيوت فخمة، الحياة مرفّهة، فالشخصيات تتحرّك في عالم بعيد عن تفاصيل الحياة التي يعرفها المشاهد السوري أو العربي، ولا مشكلة في تقديم حياة الأثرياء طبعاً، لكن المسلسل لا يمنحنا الكثير من التفاصيل التي تجعل هذا العالم مقنعاً من الداخل، لذلك تبدو البيئة في أحيان كثيرة كأنها ديكور لقصة تركية جرى نقلها إلى مسلسل عربي، أكثر من كونها بيئة عربية لها ملامحها الخاصة.
وهنا تحديداً تظهر مشكلة التعريب.
تغيير الأسماء واللغة والأبطال لا يكفي دائماً لصناعة نسخة عربية، فهناك فرق بين أن تعرّب القصة وأن تجعلها تنتمي فعلاً إلى المكان الجديد.
أما الإيقاع فالمسلسل يحمل بصمات الدراما التركية الطويلة بوضوح، ومعها يأتي المط والتطويل.
بعض المشاهد يُمكن اختصارها، وبعض الحوارات تدور حول الفكرة نفسها أكثر من مرة، وكأن الحكاية تحتاج إلى وقت إضافي حتى تصل إلى الحدث التالي، وهذا يظهر بشكل أكبر في الحلقات الوسطى، حين تخفّ حرارة القصة ويصبح انتظار التطور الجديد أهم من التطوّر نفسه.
كما أن الكوميديا ليست دائماً في أفضل حالاتها، وهناك شخصيات كان يمكن أن تكون مضحكة من دون كل هذا الانفعال والصراخ، فأحياناً تتحوّل محاولة إضحاك المشاهد إلى مبالغة تفصلنا عن الجو الرومانسي للمسلسل، بدلاً من أن تخدمه.
وأهم ما يمكن التركيز عليه هو أن العمل لا يملك الكثير من المفاجآت، ومن يعرف العمل التركي الأصلي يعرف معظم المنعطفات الأساسية، ولذلك لا يعود السؤال: ماذا سيحدث؟ بل كيف سيُقدّم المسلسل هذه الأحداث؟، وهنا يصبح على النسخة العربية أن تعوّض غياب عنصر المفاجأة بشيء آخر، كالشخصيات أو البيئة أو التفاصيل المحلية، وهو ما لم يحدث دائماً بالقدر الكافي.
ومع ذلك، سيكون من الظلم التعامل مع “حب ع ورق” وكأنه حاول أن يكون أكثر مما هو عليه، هو في النهاية مسلسل رومانسي ترفيهي، يعرف جمهوره ويقدّم له ما يريد: قصة حب، أبطالاً جذّابين، ملابس وديكورات جميلة، وبعض المواقف الخفيفة، والممثّلون استطاعوا في أكثر من مناسبة أن يضيفوا من عندهم، وأن يجعلوا الشخصيات أقرب، بينما بقيت الحكاية نفسها مرتبطة بقالبها التركي الأصلي ، وربما كان العمل سيترك أثراً أكبر لو امتلك شجاعة أكبر في تغيير هذا القالب، لا الاكتفاء بتقديمه بوجوه عربية.
في النهاية، المسلسل ممتع لمن يريد ساعتين من الهروب إلى قصة حب خفيفة، لكنه لا يقدّم حتى الآن ما يجعله تجربة عربية مختلفة فعلاً، فالصورة جميلة، والأبطال لديهم حضور، وبعض الإضافات نجحت، لكن كل ذلك لا يلغي السؤال الأساسي: أين «حب ع ورق» نفسه وسط كل هذا الحضور التركي؟