تدرك الحكومة تماماً أن رفع أسعار المشتقات النفطية في هذا التوقيت ليس خياراً رفاهياً أو قراراً تقنياً مجرداً، بل هو الدواء المرّ الذي لم يعد منه بدً لضمان عدم توقّف عجلة الحياة.
فخلف الأرقام الجديدة التي أعلنتها الشركة السورية للمحروقات، تقبع حقائق قاسية تتعلق ببنية القطاع الذي استنزفته سنوات طويلة من الحرب، والخراب الذي خّلفه النظام البائد في البنية التحتية الطاقوية، ما جعل المقدّرات الوطنية في أضعف حالاتها أمام ضغط الطلب المتزايد وكلف الاستيراد الباهظة.
وما زاد الطين بلة، هو استمرار الاستنزاف الممنهج للثروات الوطنية في المنطقة الشرقية، حيث لا تزال بقايا تنظيم “قسد” تواصل ارتكاباتها بحق الاقتصاد الوطني عبر تهريب النفط السوري باتجاه العراق.

هذه السرقات الموصوفة لا تحرم الخزينة من موارد سيادية فحسب، بل تجبر الدولة على التوجّه نحو الأسواق العالمية لتأمين البدائل بالقطع الأجنبي، وفي ظل ارتفاع أسعار النفط عالمياً وتضاعف كلف الشحن والتأمين، أصبح تأمين استدامة المادة يتطلب تدفقات مالية تفوق قدرة الموازنة العامة على الدعم الذي تحمّلته الحكومة منذ اندلاع الحرب الأميركية الإيرانية.
إن القرار، وإن بدا قاسياً في ظاهره على مستوى المعيشة، إلا أنه يأتي كإجراء وقائي لمنع حدوث انقطاعات حادة قد تؤدي إلى شلل كامل في قطاع النقل والإنتاج، علماً أن الرفع كان قليلاً مقارنة بالدول المتقدمة التي رفعتها لعدة أضعاف.
فالشركة السورية للبترول، ومن خلفها وزارة النفط، تضع اليوم أولوية توافر المادة واستمرارية الخدمة فوق أي اعتبار آخر، تفادياً للوقوع في فخ الندرة التي قد تفتح الباب أمام أسواق سوداء لا ترحم.
في المحصلة، نحن أمام واقع اقتصادي يفرض علينا خيارات الضرورة القصوى. فبين مطرقة ضعف المقدّرات الموروثة وسرقات التنظيمات الانفصالية، وسندان الارتفاع العالمي للأسعار، لم يتبق أمام الشركة إلا التحرك السعري كضمانة وحيدة لاستمرار وصول المشتقات النفطية إلى مستحقيها، مع البحث بالتوازي عن حلول لمحاصرة ثقوب التهريب التي تلتهم حصة المواطن السوري من ثرواته الوطنية.
الوطن ـ أسرة التحرير








