اختُتمت في العاصمة دمشق أعمال “المؤتمر الوطني الأول لحوار القطاع الخاص السوري” (PSD)، والذي امتدت جلساته على مدار ثلاثة أيام في الفترة من 1 إلى 3 حزيران 2026 برعاية وزارة الاقتصاد والصناعة، وبالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، وبدعم من حكومة اليابان.
وجاء هذا المؤتمر ليشكل محطة في الخطاب الاقتصادي، مستهدفاً مناقشة الدور المحوري الذي يمكن للقطاع الخاص أن يلعبه في تعافي سوريا وتنميتها الاقتصادية، إلى جانب تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص.
وشكّل الحوار منصة جامعة ضمت ممثلين عن الحكومة السورية، والشركات الخاصة، وغرف التجارة، بالإضافة إلى شركاء دوليين، انخرطوا جميعاً في مناقشات تمحورت حول التحديات الراهنة والفرص المتاحة لتحقيق تعافٍ اقتصادي شامل ومستدام. غير أن القراءة الأكاديمية المتأنية للبيان الصادر تقف عند فجوة واسعة بين الطموح النظري والآليات التنفيذية على أرض الواقع.

الملكية الوطنية والإنتاجية..محددات نظرية لمستقبل الاقتصاد
أكد البيان الختامي للمؤتمر أن هذا اللقاء يمثل أول محطة وطنية جامعة للحوار المنظم مع القطاع الخاص تُعقد في دمشق، ويشكّل نقطة انطلاق لمسار وطني مؤسسي يُراد له أن يتطور إلى ملتقى سنوي منتظم ومنصة مستدامة للحوار والتشاور وصياغة الأولويات الاقتصادية.
ويهدف هذا المسار إلى ترسيخ مبدأ الملكية الوطنية، ويوفر إطاراً ثابتاً لتبادل الرؤى، ومراجعة التقدم، وتوسيع قاعدة المشاركة، والبناء التراكمي على مخرجات كل دورة لاحقة.
كما شددت المخرجات على ضرورة تطوير هذه المنصة بوصفها أداة وطنية للحوار الاقتصادي المسؤول، وأن تبقى منفتحة على التوسع الموضوعي والمؤسسي والجغرافي في الدورات المقبلة.
كما بينت مخرجات المؤتمر أن مستقبل الاقتصاد السوري ينبغي أن يقوم على الإنتاجية والكفاءة، الشفافية والمساءلة، التنافسية، والانفتاح المنظم، والعدالة في الفرص، ومنع الاحتكار، والشراكة الفاعلة بين القطاعين العام والخاص، في إطار مؤسسات شفافة وقواعد واضحة ومساءلة مسؤولة، وسياسات اقتصادية وتنظيمية مستقرة.
واعتبر المشاركون أن القطاع الخاص ليس مجرد مستفيد من التعافي، بل شريك رئيس في خلق فرص العمل، وإحياء سلاسل القيمة، وتنشيط الأسواق، ودعم الاستقرار الاجتماعي، والمساهمة في بناء اقتصاد أكثر شمولاً واستدامةً.
وفي المقابل، أشار البيان إلى التزام الجهات العامة بمواصلة العمل على تهيئة بيئة ممكنة وتشاركية ومحفزة للأعمال والاستثمار، تقوم على الإصلاح التدريجي، والوضوح التنظيمي، وتحسين الخدمات الاقتصادية، وفتح قنوات التشاور المنتظم مع القطاع الخاص.
كما شدد المؤتمر على أن حماية الملكية الخاصة واحترام العقود والالتزامات القانونية تشكل ركائز أساسية لبناء الثقة وتحفيز الاستثمار المحلي وجذب رؤوس الأموال السورية نحو الأنشطة الإنتاجية، مع التوصية بإعطاء أولوية خاصة للاستثمارات المنتجة في الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والخدمات ذات القيمة المضافة العالية.
6 محاور رئيسة تتصدر أولويات العمل
واستناداً إلى الحوارات العامة والجلسات الموضوعية والمشاورات السابقة للمؤتمر، برز توافق حول أولوية العمل في ستة محاور رئيسة حددها البيان كالتالي:
ـ تحسين البيئة القانونية والتنظيمية والاستثمارية من خلال تبسيط الإجراءات، وتعزيز وضوح القواعد، وتخفيف التعقيد الإداري، وتحسين قابلية التنبؤ في بيئة الأعمال.
ـ توسيع الوصول إلى التمويل وتحديث الأنظمة المالية والمصرفية وتذليل تحدياتها، وخاصة بما يخدم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ويعزز الثقة، ويدعم الاستثمار المنتج، ويطور الأدوات المالية.
ـ تيسير التجارة والوصول إلى الأسواق وإحياء سلاسل القيمة عبر تبسيط الإجراءات الجمركية، وتحسين الخدمات اللوجستية، وتطوير قدرات التصدير، وتعزيز الربط مع الأسواق الإقليمية والدولية.
ـ إضفاء الطابع المؤسسي على الحوار بين القطاعين العام والخاص وأصحاب المصلحة متعددي الأطراف، بوصفه أداة حوكمة اقتصادية مستدامة، وليس مناسبة ظرفية أو مشاورة متقطعة.
ـ الاستثمار في رأس المال البشري والمهارات والابتكار وربط التعليم والتدريب باحتياجات السوق، وتوسيع فرص الشباب والنساء ورواد الأعمال، والاستفادة من طاقات الاغتراب السوري وشبكاته.
ـ تعزيز مشاركة المرأة الاقتصادية وإشراك الاغتراب السوري ضمن أطر منظمة بما يحول هذه الطاقات إلى رافعة للتعافي والنمو والابتكار.
لجان متابعة وتقرير مرتقب
ومنه، أعلن المؤتمر التوجه إلى إعداد تقرير تفصيلي ليصدر بنهاية شهر حزيران 2026 الحالي، يتضمن عرضاً مركزاً للتحديات التي طُرحت، والتوصيات السياساتية ذات الأولوية، ومصفوفة أولية لمؤشرات المتابعة والقياس، بما يتيح الانتقال من المداولات العامة إلى أجندة إصلاح قابلة للرصد والمتابعة.
كما أكد المؤتمر ضرورة التوجه إلى إنشاء آلية متابعة مؤسسية من خلال لجنة مختصة بقيادة وزارة الاقتصاد والصناعة، وبمشاركة الجهات المعنية من القطاعين، لتتولى متابعة التوصيات المنبثقة، والحفاظ على استمرارية الحوار، ورفع تقارير دورية عن التقدم المتحقق والتحديات القائمة.
وفي ختام بيانه، أعرب المؤتمر عن التزامه بمواصلة هذا النهج الحواري على أساس المسؤولية المشتركة، والواقعية، والتنفيذ المتدرج، والثقة المتبادلة، مجدداً التأكيد على أن بناء اقتصاد سوري أكثر قدرة على التعافي والنمو يتطلب تعاوناً مستداماً بين الدولة والقطاع الخاص، وتوظيفاً أفضل للخبرات الوطنية، وربط الإصلاحات بمصالح الناس وفرصهم واحتياجاتهم الفعلية. واعتبر المؤتمر أن نجاح هذا المسار مرهون باستمرار الإرادة المؤسسية، وتوسيع المشاركة، وترسيخ الحوار بوصفه جزءاً دائماً من حوكمة المرحلة المقبلة.
وأخيراً، يمثل هذا البيان خطوة أولى نحو بناء إطار وطني مستدام للحوار المؤسسي مع القطاع الخاص، على أن يشكّل هذا المؤتمر وما سينبثق عنه من تقرير وتوصيات وآلية متابعة أساساً عملياً لتتالت دورات لاحقة يُفترض أن تكون أكثر نضجاً واتساقاً وتأثيراً. ويبدو التحدي الحقيقي شاخصاً في الخاتمة التي أكد فيها المؤتمر أن الغاية ليست فقط إصدار بيان ختامي، بل إطلاق مسار وطني مستدام يُترجم التوافقات إلى خطوات، والرؤى إلى سياسات، والحوار إلى نتائج ملموسة تسهم في دعم الاقتصاد السوري وتعزيز تعافيه واستقراره، وهو ما ستكشفه الأيام القادمة على محك التطبيق الفعلي.
الوطن – أسرة التحرير








