رأى خبير إدارة الأزمات وتحليل المخاطر طريف عطورة أن دمج وزارات الكهرباء والموارد المائية والنفط والثروة المعدنية في وزارة واحدة تحت مسمى وزارة الطاقة، كما هو معمول به راهنا في سوريا، أدى إلى تشتيت القرار والمسؤولية بدلاً من تجميع القوى، التي يفترض أن تنتج عن قرار الدمج.
وأوضح عطورة، المختص في تقديم التوصيات لتطوير الخدمات العامة، في حديث لـ”الوطن” أن دمج الوزارات يحتاج إلى تصحيح مسار “إذ أنه عندما أُحدثت وزارة الطاقة وجُمعت تحت مظلتها قطاعات الكهرباء والموارد المائية والنفط والثروة المعدنية، قُدّم الدمج باعتباره خطوة نحو التكامل وتحسين الأداء وتوفير الخدمات الأساسية بصورة أفضل. كان الهدف المعلن طموحاً ومشروعاً، لكن إدارة الدولة لا تُقاس بالأهداف التي تُعلن عند إصدار القرارات، وإنما بالنتائج التي تظهر على الأرض”.
وأشار إلى أنه وبعد الفترة التي مضت على تجربة الدمج “تبدو الصورة سلبية إلى درجة تستدعي مراجعة القرار نفسه، وليس الاكتفاء بإجراء تعديلات داخل الهيكل القائم، فالمشكلة لم تعد في الشكل الإداري للوزارة، وإنما في انعكاس هذا الشكل على الأداء، وعلى وضوح المسؤوليات، وعلى قدرة كل قطاع على وضع وتنفيذ خطته وفق احتياجاته الحقيقية”.
وعن وجود ثلاثة قطاعات وطنية مختلفة تحت سقف إداري واحد “يجعل إدارتها ليس سهلاً على الرغم من الترابط القوي بينها، حيث تحتاج الكهرباء إلى الوقود والمياه إلى الطاقة، والطاقة المتجددة ترتبط بالمياه والزراعة والبيئة، والنفط يمثل أحد أهم مصادر الطاقة والإيرادات، لكن الترابط الاقتصادي والفني لا يعني أن طبيعة الإدارة واحدة، فالكهرباء منظومة إنتاج ونقل وتوزيع وشبكات ومحطات وطاقة متجددة، والمياه منظومة مصادر وسدود وآبار وشبكات ري ومياه شرب وصرف صحي وحماية للموارد، أما النفط والثروات المعدنية فهي منظومة استكشاف وإنتاج وتكرير ونقل وتسويق واستثمار وعقود وموارد وطنية، فهذه قطاعات تحتاج إلى تخصص عميق ومتواصل، وإلى قيادات فنية واقتصادية قادرة على التفرغ لملفاتها، وليس إلى إدارة واحدة مثقلة بملفات تفوق قدرة أي جهاز إداري على المتابعة الدقيقة، فعندما تكون الكهرباء والمياه والنفط تحت قيادة وزارية واحدة، تصبح الأولويات المتعددة بحاجة إلى قرار مركزي واحد”.
ولفت عطورة إلى أنه في دولة خارجة من حرب طويلة وتعاني من محدودية الموارد المالية والبشرية تصبح المنافسة بين الأولويات أكثر حدة، وأبرز التساؤلات: “هل الأولوية لإعادة تأهيل محطة توليد، أم لإصلاح شبكة مياه، أم لتأمين الوقود، أم لتأهيل منشأة نفطية، أم لاستثمار جديد في الطاقة؟، إذ أن كل هذه احتياجات حقيقية، لكن لكل منها جدول زمني وتكلفة وأثر مختلف. وهنا تظهر المشكلة: عندما تتعدد الأولويات داخل مؤسسة واحدة، قد لا تحصل أي منها على التركيز الإداري الكافي، والنتيجة تكون في النهاية ضعفاً في الأداء، وتأخراً في المشاريع، وتراجعاً في القدرة على المحاسبة”.
وأكد أن سوريا بعد الحرب “تحتاج إلى التخصص لا إلى تضخم الهياكل، وهي اليوم ليست في مرحلة إدارة مستقرة يمكن فيها اختبار نماذج بيروقراطية جديدة لسنوات طويلة، إنها دولة تحتاج إلى إعادة بناء واسعة في الكهرباء والمياه والطاقة والنقل والصناعة والزراعة والخدمات، والوقت عنصر أساسي في عملية التعافي، حيث إن كل شهر يتأخر فيه إصلاح قطاع الكهرباء يعني استمرار معاناة المواطنين والمؤسسات والمصانع، وكل تأخير في مشاريع المياه يعني استمرار أزمة مياه الشرب والري والصرف الصحي، وكل ضعف في إدارة النفط والثروات المعدنية يعني خسارة موارد يمكن أن تكون جزءاً أساسياً من تمويل إعادة الإعمار. لهذا فإن التخصص الإداري لم يعد ترفاً مؤسسياً، وإنما أصبح شرطاً من شروط التعافي الاقتصادي والخدمي، حتى بنية الوزارة بدأت تكشف الحاجة إلى التخصص”.
وأشار إلى المفارقة في أن “التطورات المؤسسية اللاحقة لإنشاء وزارة الطاقة نفسها اتجهت إلى إنشاء كيانات متخصصة للكهرباء والمياه والنفط، فقد أُحدثت الشركة السورية للكهرباء، كما أُحدثت المؤسسة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي، وأُحدثت الشركة السورية للبترول، كما جرى تعيين معاون لوزير الطاقة لشؤون المياه والكهرباء، وهو ما يعكس عملياً الحاجة إلى التخصص داخل الوزارة ذاتها. وهنا تبرز مفارقة تستحق التوقف:
إذا كانت الدولة اضطرت إلى إنشاء مؤسسات متخصصة لكل قطاع، فلماذا يبقى القرار الوزاري الجامع بينها قائماً بالشكل نفسه؟، وأصبح واضحاً أن الكهرباء تحتاج إلى إدارة متخصصة، والمياه تحتاج إلى إدارة متخصصة، والنفط يحتاج إلى إدارة متخصصة، والخطوة المنطقية التالية هي أن ينعكس هذا التخصص على مستوى الحكومة نفسها”.
وأقرّ خبير إدارة الأزمات وتحليل المخاطر أن المطلوب “ليس إلغاء التكامل بل إلغاء الخلط، وقد يقول بعضهم إن فصل الوزارات سيعيد البلاد إلى نموذج قديم، وإن قطاعات الطاقة والمياه مترابطة ولا يجوز فصلها، وهذا اعتراض صحيح فقط إذا كان المقصود بالفصل قطع التنسيق بين القطاعات، أما إذا كان المقصود فصل الإدارة التنفيذية مع الإبقاء على التخطيط الوطني المشترك، فإن الأمر مختلف تماماً، إذ يمكن أن تكون هناك ثلاث وزارات متخصصة: وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة ووزارة الموارد المائية ووزارة النفط والثروات المعدنية، وفي الوقت نفسه، يمكن إنشاء مجلس وطني للطاقة والمياه والثروات الطبيعية، يتولى التنسيق بين الوزارات، ووضع الاستراتيجيات المشتركة، وتحديد الأولويات الوطنية الكبرى، وبذلك نحقق المعادلة التي تحتاجها سورية: فصل الاختصاصات لا فصل السياسات”.
وأشار طريف عطورة إلى أن إعادة الفصل وحدها “لن تكون كافية إذا بقيت آليات الإدارة القديمة، والمطلوب هو بناء نموذج مؤسسي جديد يقوم على أربعة مستويات واضحة: وزارة متخصصة تضع السياسة والاستراتيجية، ومؤسسات وشركات متخصصة تتولى التنفيذ والتشغيل والاستثمار، ومجلس وطني ينسق بين القطاعات، وأجهزة رقابية مستقلة تراقب الإنفاق والعقود والنتائج.
وبهذه الطريقة يصبح المسؤول معروفاً، والقرار واضحاً، والموازنة قابلة للتتبع، والنتائج قابلة للقياس، أما وضع كل الملفات تحت مظلة واحدة ثم توزيعها داخلياً بين معاونين ومديريات وشركات، فإنه قد يؤدي إلى طبقات إضافية من الإدارة بدلاً من تحقيق التبسيط الذي كان أحد مبررات الدمج”.
وكشف عن أن المشكلة أيضاً في المال العام “ففي مرحلة إعادة الإعمار، لا يمكن التعامل مع الموازنات باعتبارها مجرد أرقام داخل وزارة ضخمة، ويجب أن يعرف المواطن والدولة معاً حجم الأموال التي تذهب إلى كل قطاع، وما الذي تحقق مقابلها. في الكهرباء مثلاً يجب أن تقاس النتائج بعدد المحطات التي أعيد تأهيلها والقدرة التوليدية المضافة وانخفاض الفاقد وتحسن ساعات التغذية، وفي المياه يجب قياس نسبة وصول مياه الشرب ونسب الفاقد وعدد الشبكات التي أعيد تأهيلها وتحسن الصرف الصحي، وفي النفط يجب قياس الإنتاج والإيرادات والاستثمارات والعقود ونسب العائد على الموارد الوطنية، فالمشكلة ليست فقط كم أنفقنا، وإنما ماذا حصلنا مقابل ما أنفقناه. ولهذا، فإن الفصل بين الموازنات القطاعية يمكن أن يكون خطوة مهمة نحو الشفافية والمساءلة”.
وشدد على أن هناك قضية أخرى لا يجوز تجاهلها، وهي الكفاءات، “حيث أظهرت النقاشات مع عدد من الخبرات والمهندسين والمتخصصين، أن الاعتراض على الدمج لا يرتبط فقط بالهيكل الإداري، وإنما أيضاً بالخوف من تراجع دور الاختصاص والخبرة عندما تصبح القطاعات المختلفة جزءاً من جهاز واحد واسع، فقطاع الكهرباء يحتاج إلى خبراء كهرباء وطاقة وشبكات ومحطات، وقطاع المياه يحتاج إلى اختصاصات هيدرولوجية وهندسية وبيئية وإدارية مختلفة، بينما يستلزم قطاع النفط وجود جيولوجيين ومهندسي نفط وتكرير واقتصاديين ومتخصصين في العقود والاستثمار، ولا يمكن بناء سورية الجديدة إذا لم توضع الكفاءة في موقع القرار. فالوزارة المتخصصة لا تعني فقط اسماً مختلفاً على باب المؤسسة، وإنما تعني أن يكون القرار بيد أهل الاختصاص، وأن تُبنى الإدارات على الكفاءة والخبرة والقدرة على الإنجاز”.
وأعرب اختصاصي تقييم القوانين والبرامج الحكومية، عن رأيه أنه لا ينبغي أن تتحول الدولة إلى أسيرة قرار إداري “فالقرارات الإدارية ليست نصوصاً مقدسة، وقد يكون الدمج مناسباً في مرحلة معينة، ثم تظهر الوقائع أن الفصل أكثر ملاءمة، وهذا ليس فشلاً للدولة، بل هو جزء طبيعي من عملية إصلاح المؤسسات، على حين أن الخطأ الحقيقي هو أن تتحول المؤسسات إلى هياكل يصعب تغييرها لمجرد أن قراراً سابقاً أنشأها، والمرسوم الذي أحدث وزارة الطاقة حدد هدفه بتحقيق التكامل وتحسين الأداء وتوفير الخدمات الأساسية بالشكل الأمثل. فإذا كانت التجربة، كما تشير إليه ملاحظات عدد من أصحاب الخبرة والكفاءة، قد أدت إلى نتائج سلبية على مستوى الأداء والتخصص وتوزيع الأولويات، فإن الاستمرار فيها يصبح أصعب تبريراً من مراجعتها”.
وقال: “ربما يكون أهم ما تحتاجه سورية اليوم هو التخلص من فكرة أن تغيير القرار الإداري يعني الاعتراف بالفشل، لكن الدول تتعلم من تجاربها، والمؤسسات الناجحة هي التي تراجع قراراتها عندما تظهر نتائجها العملية أنها لم تحقق الغاية المطلوبة. لذلك فإن إعادة فصل الكهرباء والمياه والنفط ليست عودة إلى الوراء، بل ربما يمكن أن تكون خطوة إلى الأمام، إذا اقترنت بإعادة بناء حقيقية للمؤسسات.
فالمطلوب ليس إعادة الوزارات القديمة بأجهزتها وبيروقراطيتها، وإنما تأسيس وزارات أصغر وأكثر تخصصاً، وشركات أكثر كفاءة، وموازنات أكثر شفافية، ورقابة أكثر استقلالاً عكس ما حدث وما يحدث الآن من إنشاء هيكليات جديدة ترتب عليها نفقات ومرافق واليات وهدر للجهد والزمن، وقيادات تختار على أساس الخبرة والكفاءة، وعلى عكس ما هو حادث الآن من تعيين أفراد لا يتمتعون بالخبرة والاختصاص ولا يفقهون في الأمور الفنية والتقنية ولا بألف باء الكهرباء والمياه، ولا المناقشة مع الجهات الدولية والمنظمات، فكم من تلك الجهات اشتكت من خروجهم عن النص لعدم الخبرة والكفاءة”.
وأضاف: “إن استمرار تجربة الدمج بالشكل الحالي رغم ما أظهرته من مشكلات بحسب تقييمات عدد من المختصين والخبرات، قد يعني إضاعة مزيد من الوقت في محاولة إصلاح هيكل أثبتت الممارسة أنه لا يحقق الغاية التي أُنشئ من أجلها، ولذلك، فإن الخطوة الأكثر واقعية هي البدء بمراجعة مؤسسية شاملة، تنتهي إلى إعادة فصل قطاعات الكهرباء والمياه والنفط إدارياً ووزارياً، مع إنشاء آلية وطنية عليا للتنسيق بينها، فالكهرباء ليست ملفاً داخل وزارة، والمياه ليست مديرية، والنفط ليس مجرد قطاع اقتصادي. إنها ثلاثة من أهم مقومات الدولة السورية، ويجب أن تدار كل واحدة منها بعقل مؤسسي متخصص، وبمسؤولية واضحة، وبموازنة معلومة، وبقيادة تمتلك المعرفة والخبرة والقدرة على اتخاذ القرار”.
وخلص إلى أن سورية “لا تحتاج اليوم إلى وزارة أكبر، وإنما إلى إدارة أفضل، ولا تحتاج إلى جمع الملفات تحت سقف واحد، وإنما إلى توزيع المسؤوليات بوضوح، ولا تحتاج إلى الدفاع عن تجربة لم تحقق النتائج المطلوبة، وإنما إلى امتلاك شجاعة تصحيحها. فالمرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة تخصص في الوزارات، وكفاءة في الشركات، وتنسيق على المستوى الوطني، ورقابة مستقلة على المال العام والقرار التنفيذي”، مبيناً أن هذا هو الطريق الأقرب “لبناء دولة قادرة على إعادة إعمار قطاعاتها الأساسية، واستعادة خدماتها، وحماية مواردها، ووضع الاقتصاد السوري على طريق التعافي الحقيقي”.









