بقدر ما يُعدّ رفع العقوبات خطوةً مفصلية، فإن ما يليها هو الأهم. فالاقتصاد السوري لا يحتاج إلى انفراجٍ عابر، بل إلى قرارات جريئة تعالج جذور الخلل، وتحوّل لحظة الانفتاح إلى مسار تعافٍ مستدام، لا فرصة ضائعة أخرى.
أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد في جامعة حماة الدكتور عبد الرحمن محمد قال: بعد سنوات طويلة من العزلة الاقتصادية والسياسية التي فرضتها العقوبات الدولية، وعلى رأسها قانون “قيصر”، تقف سوريا اليوم على أعتاب مرحلة جديدة مع رفع هذه العقوبات.
ويرى أستاذ الاقتصاد أن هذا التحول يمثل فرصة حقيقية لإعادة بناء الاقتصاد السوري، وتحقيق التعافي الشامل، وإطلاق عملية إعادة الإعمار التي طال انتظارها. مضيفاً: ومع ذلك، فإن هذه الفرصة تحمل تحديات كبيرة تتطلب استراتيجيات مدروسة وخطوات عاجلة لضمان أن يكون رفع العقوبات نقطة انطلاق نحو الاستقرار والتنمية المستدامة، وليس مجرد انفراج مؤقت.

وأكد محمد أنه لتحقيق تعافٍ اقتصادي حقيقي ومستدام، يجب على سوريا اتخاذ مجموعة من الخطوات العاجلة على المستويين الاقتصادي والمؤسسي، ومنها إصلاح النظام النقدي والمصرفي عبر معالجة التشوهات في سعر الصرف وضبط السوق السوداء، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي لتمكينه من استيعاب التدفقات المالية والاستثمارات الخارجية، وتعزيز الشفافية المالية ومكافحة غسيل الأموال لضمان استعادة الثقة الدولية بالنظام المالي السوري.
كما أشار إلى أهمية إعادة هيكلة القطاع العام عبر تحسين كفاءة المؤسسات العامة وتقليل الهدر المالي، وتحديث البنية الإدارية للدولة لتكون أكثر مرونة واستجابة للتحديات الاقتصادية.
ونوه بأهمية تحسين بيئة الأعمال والاستثمار عبر تحديث القوانين والتشريعات لجذب الاستثمارات الأجنبية والمحلية، وإنشاء قضاء مستقل وفعّال لضمان حماية حقوق المستثمرين، وإطلاق برامج لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد المحلي.
ولفت إلى ضرورة إطلاق خطة وطنية لإعادة الإعمار عبر وضع رؤية شاملة لإعادة بناء البنية التحتية المدمرة، ما يشمل الإسكان، المدارس، المستشفيات، وشبكات النقل والطاقة، والتعاون مع المؤسسات الدولية والدول المانحة لتأمين التمويل اللازم.
وأكد محمد على أهمية تعزيز القطاعات الإنتاجية ودعم قطاع الزراعة باعتباره ركيزة أساسية للاقتصاد السوري، إلى جانب إعادة تشغيل المنشآت الصناعية المتوقفة وتطويرها لتلبية احتياجات السوق المحلية والتصدير.
استاذ الاقتصاد يرى أن الأولوية ليست خياراً أحادياً، بل العمل على مسارات متوازية، حيث إن كل جانب يؤثر بشكل مباشر في الآخر.
وبرأي محمد يمكن ترتيب الأولويات كالتالي:
1. الإصلاح النقدي
يمثل الأساس لاستقرار الاقتصاد، حيث إن ضبط سعر الصرف وتحقيق استقرار نقدي سيؤدي إلى تحسين بيئة الأعمال، وجذب الاستثمارات، وتخفيف الأعباء المعيشية على المواطنين.
2. إعادة بناء الثقة بالبيئة الاستثمارية
لا يمكن تحقيق التعافي الاقتصادي من دون استقطاب الاستثمارات.
لذلك يجب التركيز على تحسين التشريعات، وضمان الشفافية، وتوفير بيئة آمنة للمستثمرين المحليين والأجانب.
3. إعادة هيكلة القطاع العام
على الرغم من أهميته، إلا أن هذا المسار يتطلب وقتاً أطول، يمكن البدء بخطوات تدريجية لتحسين كفاءة المؤسسات العامة وتقليل الهدر، مع التركيز على القطاعات الأكثر تأثيرًا مثل الطاقة والنقل.
وختم محمد بالقول: إن رفع عقوبات “قيصر” يمثل فرصة تاريخية لسوريا للانتقال من مرحلة الأزمات إلى مرحلة التعافي والتنمية، وإن النجاح في استغلال هذه الفرصة يعتمد على اتخاذ خطوات جريئة ومدروسة لإصلاح الاقتصاد، وتحسين بيئة الأعمال، وإعادة بناء الثقة بالمؤسسات.
وإن العمل على هذه المحاور بشكل متكامل سيضمن تحقيق استقرار اقتصادي مستدام، ويمهد الطريق لإعادة الإعمار والتنمية الشاملة التي يحتاجها الشعب السوري بشدة.
ووقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على قانون موازنة وزارة الدفاع لعام 2026، متضمناً مادة تلغي بشكل كامل “قانون قيصر” المفروض على سوريا منذ 2019 وأصبح نافذاً.








