المزيد

‫آخر الأخبار:‬

رفع الدعم.. وتراجع الإنتاج؟

‫شارك على:‬
20

تواجه الحكومة ضغوطاً اقتصادية متزايدة، في ظل إرث ثقيل خلّفه النظام البائد، ومحدودية في الإمكانات المتاحة، واتساع الاحتياجات وتراكم الأعباء، فضلاً عن الارتفاع العالمي في تكاليف الطاقة والسلع.

في هذا السياق، تبدو إعادة النظر في منظومة الدعم مفهومة، ولا سيما بعدما أصبحت كلفتها تفوق قدرة المالية العامة على تحمّلها.

لكن رفع الدعم، بعد أن أصبح واقعاً، يطرح سؤالاً أكثر إلحاحاً: ماذا سيحدث للإنتاج الوطني إذا لم تترافق هذه الخطوة مع سياسات تحد من آثارها على المنتجين؟

فالمنتج السوري، الزراعي والصناعي على حد سواء، يعمل اليوم في بيئة شديدة الصعوبة، بين تكاليف إنتاج ارتفعت بفعل أسعار حوامل الطاقة والنقل والمواد الأولية، وبين قدرة شرائية محدودة في السوق المحلية، ومنافسة متزايدة من المنتجات المستوردة والمهربة.

في مثل هذه البيئة، فإن ارتفاع تكلفة الإنتاج لا يعني بالضرورة قدرة المنتج على رفع أسعاره لتعويض الزيادة، لأن المستهلك نفسه أصبح أكثر حساسية لأي ارتفاع في الأسعار.

وهنا تبرز المشكلة الأساسية: كيف يمكن النهوض بالاقتصاد إذا كانت كلفة الإنتاج تدفع المزيد من المنتجين إلى تقليص نشاطهم أو الخروج من السوق؟

قطاع الدواجن يقدم مثالاً واضحاً على هذه المعادلة فارتفاع تكاليف الأعلاف والطاقة وغيرها من مستلزمات الإنتاج انعكس على كلفة تربية الفروج، ودفع جزءاً من المربين إلى تقليص نشاطهم أو التوقف، الأمر الذي ساهم في تراجع الإنتاج المحلي وظهور فجوة بين العرض والطلب، انعكست بدورها على الأسعار وأعادت طرح الاستيراد كوسيلة لسد النقص في السوق.

لا تكمن المشكلة في الاستيراد بحد ذاته، إذ يمكن أن يكون ضرورياً في مراحل معينة لتحقيق التوازن بين العرض والطلب ومنع حدوث نقص حاد أو ارتفاعات أكبر في الأسعار لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاستيراد من أداة مؤقتة لسد الفجوة إلى بديل دائم عن الإنتاج المحلي، خصوصاً إذا كان المنتج السوري يواجه منافسة في سوقه الداخلية في الوقت الذي ترتفع فيه كلفة إنتاجه.

لذلك، فإن المرحلة الحالية لا تحتاج إلى العودة إلى الدعم الشامل الذي يحمّل الخزينة أعباء يصعب استمرارها، بقدر ما تحتاج إلى إعادة تعريف الدعم نفسه، بحيث ينتقل جزء منه من دعم السعر أو الاستهلاك إلى دعم الإنتاج والقدرة على الاستمرار.

وقد يبدأ ذلك من إعفاءات أو تخفيضات ضريبية وجمركية للقطاعات الإنتاجية، وتسهيلات حقيقية في التمويل، وأسعار طاقة أكثر ملاءمة للأنشطة الزراعية والصناعية، ودعم مدروس لمستلزمات الإنتاج الأساسية، إلى جانب حماية مؤقتة ومدروسة للمنتج المحلي عندما يتعرض لمنافسة غير عادلة، سواء من الاستيراد غير المنظم أو التهريب.

المعادلة اليوم ليست بين “الدعم” و”رفع الدعم” فقط، فقد حسم جزء كبير منها، بالفعل المعادلة الأهم هي بين رفع الدعم من جهة، والحفاظ على قدرة الاقتصاد على الإنتاج من جهة أخرى.

نعم، تحتاج الحكومة إلى تخفيف أعبائها المالية، وهذا مفهوم في ظل محدودية الموارد واتساع الاحتياجات، لكن تخفيف العبء عن الخزينة لا ينبغي أن يتحول إلى زيادة العبء على المنتج والمستهلك معاً فالإنتاج الوطني ليس بنداً يمكن الاستغناء عنه عند الأزمات، بل هو إحدى الأدوات الأساسية لخفض فاتورة الاستيراد، وتأمين فرص العمل، وزيادة الموارد، والمساهمة في استقرار الأسعار على المدى الطويل.

عندما يصبح رفع الدعم أمراً لا مفر منه، فإن حماية الإنتاج ينبغي أن تكون الوجه الآخر لهذه السياسة، فالتوفير الذي يتحقق في الموازنة اليوم قد يتحول غداً إلى فاتورة أكبر إذا أدى ارتفاع تكاليف الإنتاج إلى إغلاق المنشآت، وتراجع الزراعة والصناعة، واتساع الحاجة إلى الاستيراد، وارتفاع الأسعار.

المطلوب إذاً ليس إعادة الدعم إلى ما كان عليه، وإنما ألا يكون رفعه نهاية السياسة الإنتاجية، بل بداية لسياسة جديدة تجعل المنتج قادراً على الاستمرار والمنافسة، فخفض الإنفاق العام قد يخفف عبئاً عن الخزينة، أما زيادة الإنتاج فهي التي تخفف العبء عن الاقتصاد والمواطن معاً.