في الوقت الذي تسعى فيه الحكومات لتنويع مصادر تمويل عجز الموازنة، يبرز ملف “السندات الحكومية” كأداة مالية مثيرة للجدل في المشهد السوري؛ فبين ضرورتها كأداة تمويل حديثة ومخاطر تآكل قيمتها أمام التضخم الجامح، تبدو الثقة هي العملة الأصعب في هذا الاختبار.
الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي أكد لـ«الوطن»، أن السندات الحكومية تُعتبر إحدى أهم أدوات التمويل في الاقتصادات الحديثة، حيث تُصدر عادةً بآجال زمنية متعددة وبمعدلات فائدة متفاوتة، ما يتيح للحكومات تنويع مصادرها التمويلية وتوزيع أعباء الدين العام على فترات زمنية مختلفة. مضيفاً: غير أن هذه الأداة، على الرغم من أهميتها النظرية، تواجه في السياق السوري تحديات جوهرية تحدّ من فعاليتها.
ويرى أستاذ الاقتصاد أن أبرز هذه التحديات يتمثل في ارتفاع معدلات التضخم وعدم استقرار سعر الصرف، وهوما يضعف الثقة في قيمتها الحقيقية وعوائدها، ويجعل المستثمرين مترددين في الاكتتاب بها، وقال: حتى في حال إدراجها ضمن سوق دمشق للأوراق المالية، فالمستثمر، يبحث عن أدوات تحفظ له قيمة أمواله وتحقق له عائداً مستقراً، وهو ما يصعب ضمانه في بيئة اقتصادية تتسم بالتقلبات الحادة.

المحاذير الاقتصادية والمالية
واستعرض قوشجي المحاذير الاقتصادية والمالية للسندات الحكومية، ومنها مخاطر التضخم والتي تؤدي إلى تآكل القيمة الحقيقية للفوائد والعوائد المتوقعة، وتقلبات سعر الصرف التي تجعل السندات أقل جاذبية للمستثمرين الذين يقارنون بين العائد المحلي والعائد بالدولار أو العملات الصعبة، إضافة إلى ضعف الثقة المؤسسية نتيجة غياب الشفافية الكاملة في السياسات النقدية والمالية.
فرص الإصلاح والتطوير
رغم هذه التحديات، يرى قوشجي أنه يمكن النظر إلى السندات الحكومية كأداة إصلاحية إذا ما تم تهيئة البيئة الاقتصادية عبر تعزيز الاستقرار النقدي من خلال سياسات واضحة للحد من التضخم وضبط سعر الصرف، وتحسين الشفافية عبر نشر بيانات دورية عن الدين العام وأدوات التمويل، إلى جانب تنويع الأدوات المالية مثل إصدار سندات مرتبطة بالتضخم أو سندات بالعملات الأجنبية لجذب شرائح مختلفة من المستثمرين، مع ضرورة بناء الثقة المؤسسية من خلال إصلاحات هيكلية في سوق دمشق للأوراق المالية وتطوير بنيتها التشريعية والتنظيمية.
ولفت الخبير الاقتصادي إلى أنه تم طرح السندات الحكومية سابقاُ في فترة النظام البائد، وكانت تجربة فاشلة وقد تم طرح بيع السندات إلى الجهاز المصرفي عند سعر ٣٠٠٠ ليرة سورية للدولار الواحد، واستمر بيع السندات نفسها عند سعر صرف ١٣٠٠٠ ل.س للدولار الواحد ما أفقد الثقة فيها.
وقال: لذلك إن إدخال السندات السيادية أو الأذونات الحكومية في تمويل الخزينة العامة ليس مجرد خطوة مالية، بل هو اختبار لمدى قدرة الدولة على استعادة ثقة المستثمرين المحليين والدوليين. فنجاح هذه الأداة يتطلب بيئة اقتصادية مستقرة، وإصلاحات مؤسسية جادة، ورسائل واضحة تعكس التزام الدولة بالشفافية والانضباط المالي.
وقال وزير المالية السوري محمد يسر برنية في تصريح إعلامي له: إن الحكومة السورية تعتزم إطلاق سندات محلية بالليرة السورية في النصف الثاني من عام 2026، مشيراً إلى أن نوع السندات وأجل استحقاقها سيُحددان في مرحلة لاحقة.








