المزيد

‫آخر الأخبار:‬

سوريا بين استعادة الحضور الدولي وتحويل الانفتاح إلى واقع داخلي

‫شارك على:‬
20

تحمل المشاركة الثانية للرئيس أحمد الشرع في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، للعام الثاني على التوالي، دلالة مهمة، ولا سيما أنها تأتي بعد أن حقّقت سوريا أحد اهم أهداف مشاركتها الأولى، والمتمثّل في استعادة موقعها على منبر المجتمع الدولي.
ما تحقّق منذ المشاركة الأولى للرئيس الشرع في أعمال الجمعية العامة بدورتها الثمانين يمثّل خطوات مهمة ينبغي البناء عليها وترجمتها على أرض الواقع، بدءاً من رفع العقوبات، مروراً ببناء شبكة واسعة من العلاقات مع مختلف الأطراف الدولية، وصولاً إلى الاتفاقيات والتفاهمات التي توصلت إليها دمشق مع عدد من الدول.
لكن الإنجازات الخارجية تجني قيمتها الحقيقية عندما تنعكس على الداخل، ولا سيما في سوريا التي عانى شعبها سنوات طويلة من الظلم والاستبداد والدمار، ومن هنا تأتي الحاجة إلى أن تتحوّل هذه الإنجازات السياسية والدبلوماسية إلى نتائج ملموسة يشعر بها السوريون، بما يتناسب مع حجم التحدّيات والتضحيات التي قدّمها السوريون للخلاص من حقبة سوداء.
وفي ظل الواقع السوري المعقّد، تبدو الحاجة ملحة إلى تشخيص المشكلات والبحث عن حلول عملية تسهم في ترميم ما تعرّض للدمار خلال عقود، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، والسؤال المطروح هنا، كيف يمكن تحويل الانفتاح الدولي إلى مسار مستدام للتعافي وإعادة البناء؟
مصادر سياسية متابعة في دمشق ترى أن مفتاح الحل يكمن في قدرة سوريا على استثمار الانفتاح الدولي وتحويل ما تحقّق دبلوماسياً إلى واقع فعلي، تكون فيه الأولويات الداخلية في صدارة الاهتمام، وهذا يتطلب مواصلة العمل على تعزيز ثقة المجتمع الدولي بالمسار السوري، وتقديم رؤية واضحة لأولويات الدولة واحتياجاتها.
بموازاة ذلك، فإن تعزيز العلاقات مع المجتمع الدولي، إلى جانب توثيق الروابط مع دول المنطقة والحاضنة العربية، يمكن أن يُشكّل أداة مهمة لدعم مسار التعافي وإيجاد حلول للتحدّيات التي تواجه البلاد، ضمن مسار تدريجي يأخذ في الاعتبار حجم الملفات المتراكمة.
وفي هذا الاطار، جاءت لقاءات الرئيس الشرع بعد وصوله إلى نيويورك مع أبناء الجالية السورية وأعضاء في الكونغرس الأميركي وما سيعقبها من لقاءات مع قادة عدد من الدول، باعتبارها جزءاً من مسار يهدف إلى تعزيز الثقة وفتح قنوات أوسع للتعاون.
فاللقاء مع أبناء الجالية يعيد التأكيد على أهمية دور السوريين في الخارج في إعادة إعمار بلدهم، والاستفادة من خبراتهم وكفاءاتهم، وتعزيز العلاقات السورية الأميركية، كما أن اللقاء مع المشرعين الأميركيين يجدّد تأكيد دعم وحدة سوريا وسيادتها، وجهود إعادة الإعمار والتعافي وتعزيز الاستقرار.
ومع ذلك، يبقى ما تحقّق حتى الآن مرتبطاً بقدرة دمشق على مواصلة هذا المسار وتحويل مخرجات الانفتاح الدبلوماسي إلى نتائج ملموسة داخل البلاد، فالتحدّي الأهم لا يتمثّل فقط في استعادة العلاقات الدولية وتوسيعها، بل أيضا في تحويل هذا الرصيد إلى سياسات وبرامج تحسّن حياة السوريين، وتدعم إعادة الإعمار، وتعزّز الاقتصاد ومؤسسات الدولة، وتستفيد من طاقات السوريين في الداخل والخارج.
ووفق ما تقدّم، تصبح المشاركة الثانية للرئيس الشرع في الجمعية العامة محطة مهمة للانتقال من استعادة الحضور الدولي إلى استثمار هذا الحضور، ومن الانفتاح الخارجي إلى بناء واقع داخلي أكثر استقراراً وقدرة على التعافي.

أسرة التحرير