أوضح الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور محمود عبد الكريم لـ”الوطن” أن القرار رقم 1124 الصادر في 18 آب 2026 “يبني الطريق ولا يقود السيارة”، معتبراً أن القرار يضع للمرة الأولى إطاراً قانونياً لثلاثة مفاهيم لم تكن موجودة في القانون السوري، هي النقود الإلكترونية وحساب الدفع ونظم المدفوعات الوطنية، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة في تنظيم خدمات الدفع والتحول التدريجي من التعامل النقدي إلى الدفع الإلكتروني.
النقود الإلكترونية تدخل الإطار القانوني
وبيّن عبد الكريم أن النظام عرّف النقود الإلكترونية بأنها قيمة نقدية مخزّنة إلكترونياً تُدفع قيمتها نقداً مسبقاً، وتُقبل كأداة دفع لدى جهات غير الجهة التي أصدرتها، مع حق العميل باسترداد قيمتها كاملة عند الطلب.

وبلغة بسيطة، إذا وضع المواطن 100 ألف ليرة جديدة في محفظة على هاتفه، فإن هذا المبلغ يصبح مالاً بالمعنى القانوني، ويمكن استخدامه للشراء من أي متجر، وليس فقط من الشركة التي أصدرت المحفظة، مع حق العميل باسترداده نقداً متى شاء، أما المفهوم الثاني الذي أدخله النظام فهو “حساب الدفع”، الذي عرّفه بأنه حساب مفتوح باسم العميل ويشمل حسابات النقود الإلكترونية إلى جانب الحساب الجاري وحساب التوفير، ما يعني أن فتح الحساب لم يعد حكراً على المصرف.
أما المفهوم الثالث فهو “نظم المدفوعات الوطنية”، وهي البنية التحتية التي يملكها ويشغّلها المصرف المركزي أو يعهد بتشغيلها إلى جهة وطنية تحت إشرافه، وهي بمنزلة شبكة الطرق التي تسير عليها كل عمليات الدفع.
ورأى عبد الكريم أن أهم ما جاء به النظام يتمثل في المادة الثالثة التي فتحت السوق أمام غير المصارف، فالشركة التقنية تحتاج إلى ترخيص، بينما لا تحتاج المصارف العامة والخاصة ومصارف التمويل الأصغر إلى ترخيص، وإنما إلى موافقة مسبقة من المصرف المركزي، وهذا يعني أن أي شركة تقنية سورية أو أجنبية تستطيع اليوم، من الناحية القانونية، إصدار نقود إلكترونية، وهو أمر كان ممنوعاً قبل 18 آب، لكن هذه الخطوة التنظيمية لا تعني أن التحول الرقمي سيحدث تلقائياً، فالفارق بين القانون والواقع كبير، وتكشف الأرقام حجم الطريق الذي ما زال أمام سوريا.
اقتصاد ما زال يعتمد على النقد
تبلغ الكتلة النقدية في سوريا 42 تريليون ليرة قديمة، أي 420 مليار ليرة جديدة، بما يعادل نحو 3.3 مليارات دولار، وهذا يمثل كامل النقد الذي يتحرك في البلاد موزعاً على نحو 13 مليار قطعة ورقية ومعدنية، أي ما يعادل 500 ورقة وقطعة لكل مواطن، ونحو 127 دولاراً نقداً للفرد الواحد.
في المقابل، فإن الهدف المعلن لمشروع تحديث القطاع المالي المدعوم بمنحة دولية قدرها 100 مليون دولار هو الوصول إلى 15 مليون عملية دفع إلكترونية سنوياً، وبقسمة هذا الرقم على عدد السكان البالغ نحو 26 مليون نسمة، نحصل على 0.58 عملية للفرد في السنة، أي عملية إلكترونية واحدة كل 21 شهراً، بينما في الأردن ومصر والمغرب يتراوح الرقم بين 20 و30 عملية للفرد سنوياً، في حين يتجاوز في الإمارات 150 عملية.
ولا يقاس التحول العالمي من النقد إلى الدفع الرقمي بعدد البطاقات، وإنما بنسبة قيمة المدفوعات غير النقدية إلى إجمالي الإنفاق الاستهلاكي، ويُعتبر التحول قد تحقق عند تجاوز هذه النسبة 50 بالمئة.، أما سوريا اليوم فتسجل نسبة تقل عن 2 بالمئة وفق أفضل التقديرات.
وأشار عبد الكريم إلى أن الانتقال من نسبة 2 بالمئة إلى 50 بالمئة من المدفوعات غير النقدية استغرق في كينيا نحو 12 عاماً، وفي مصر نحو 8 أعوام، وفي الهند نحو 7 أعوام، وبالتالي فإن التوصيف الواقعي لما جرى في سوريا هو أن القرار 1124 وضع “لافتة البداية” على طريق يمتد من خمس إلى عشر سنوات، وليس أمام تحول يحدث بمجرد صدور النظام.
وتكمن أهمية القرار هنا في أنه لا يقدم مجرد أداة دفع جديدة، وإنما يضع الإطار القانوني الذي يمكن أن تنشأ ضمنه منظومة كاملة من المحافظ الإلكترونية وخدمات الدفع والحوالات ونقاط الخدمة، تحت إشراف المصرف المركزي.
من الحساب المصرفي إلى حساب الدفع
وتحمل تسمية “حساب الدفع” دلالة مهمة في هذا السياق، لأنها توسع مفهوم العلاقة المالية مع المواطن خارج الشكل التقليدي للحساب المصرفي.
فالحساب، وفق النظام، لم يعد مرتبطاً بالحساب الجاري أو حساب التوفير لدى المصرف فقط، وإنما بات يشمل أيضاً حسابات النقود الإلكترونية، ما يفتح المجال أمام شركات التكنولوجيا ومقدمي خدمات الدفع للدخول إلى جزء من النشاط المالي الذي كان مرتبطاً بالمصارف بصورة أساسية، ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في ظل محدودية الانتشار المصرفي في سوريا، حيث تتكون الشبكة المصرفية من 6 مصارف عامة و15 مصرفاً خاصاً، بأصول تقارب 12 مليار دولار في 2024، تستحوذ المصارف العامة على 69 بالمئة منها.
ويبلغ متوسط الانتشار 4 فروع و5 صرافات آلية لكل 100 ألف بالغ، بينما يتراوح المعدل الإقليمي بين 15 و30 فرعاً وبين 40 و60 صرافاً، مع بقاء نحو 40 بالمئة من الفروع خارج الخدمة أصلاً.
وعالج النظام جزءاً من هذه الفجوة من خلال أداة “الوكيل” و”عقد الوكالة” والوكيل هو من يعمل باسم مقدم خدمة الدفع وبالنيابة عنه لتقديم بعض أو كل خدماته، وبعبارة مبسطة يمكن أن تتحول البقالية أو الصيدلية أو مكتب الحوالات إلى نقطة خدمة مالية، بما يوسع نطاق الوصول إلى الخدمات من دون الحاجة إلى بناء شبكة فروع مصرفية تقليدية.
وتتراوح تكلفة فتح فرع مصرفي بين 200 ألف و500 ألف دولار، بينما لا تتجاوز تكلفة تفعيل وكيل 300 دولار، أي أقل من واحد بالألف، ما يتيح، وفق عبد الكريم، الانتقال من مئات نقاط الوصول إلى عشرات الآلاف خلال ثلاث سنوات.
الهاتف قد يكون بوابة التحول
وتظهر أرقام انتشار الهواتف أن البنية الأساسية للتحول الرقمي موجودة جزئياً، إذ يبلغ عدد اشتراكات الهاتف المحمول 20.1 مليون خط، أي 77.7 بالمئة من السكان، لكن عدد مستخدمي الإنترنت لا يتجاوز 9.25 ملايين مستخدم، بنسبة 35.8 بالمئة، مقابل معدل عالمي يقارب 74 بالمئة. وهذا يعني أن 16.6 مليون سوري خارج الإنترنت، لكن أغلبيتهم يحملون هاتفاً.
وهنا يصبح التحدي أمام منظومة الدفع الإلكتروني ليس إصدار المحافظ والبطاقات فقط وإنما تصميم خدمات تتناسب مع الواقع التقني والبنية التحتية القائمة، بحيث لا يتحول ضعف الإنترنت أو انقطاع الكهرباء إلى عائق أمام استخدام وسيلة الدفع الجديدة.
وبذلك، فإن القرار 1124 يمثل خطوة تنظيمية أساسية في بناء منظومة الدفع الإلكتروني في سوريا، لكنه لا يعني أن الاقتصاد انتقل فعلياً من النقد إلى الدفع الرقمي، فالقرار وضع التعريفات والقواعد، وفتح الباب أمام شركات التكنولوجيا، ونظّم حساب الدفع، وأدخل الوكلاء إلى منظومة تقديم الخدمات، ووضع الأساس لنظم المدفوعات الوطنية، أما الاختبار الحقيقي فيبدأ بعد صدور القرار، عندما تتحول النصوص إلى خدمات يستخدمها المواطن والتاجر بصورة يومية، وعندما تصبح المحفظة الإلكترونية وسيلة دفع فعلية وليست مجرد وسيلة لسحب الأموال.
ومن هنا، فإن السؤال الاقتصادي لم يعد ما إذا كان الدفع الإلكتروني أصبح مسموحاً في سوريا، بل كيف يمكن تحويل الإطار القانوني الجديد إلى منظومة واسعة الاستخدام تقلل اعتماد الاقتصاد على النقد وتفتح المجال أمام شمول مالي أكبر؟








