الوطن – أسرة التحرير
يصعب على المراقبين التعامل مع التطورات الأخيرة في الموقف الأمريكي تجاه سوريا، باعتبارها مجرد إجراءات إدارية أو تعديلات تقنية معزولة عن السياق السياسي العام، فاستبعاد دمشق للمرة الأولى من قائمة الدول “غير المتعاونة بشكل كامل مع جهود مكافحة الإرهاب”، بالتزامن مع تقدم مشروع قانون داخل الكونغرس لإلغاء قانوني العقوبات الصادرين عامي 2003 و2012، يقدمان معاً مؤشرات لافتة إلى تحولات أعمق في طريقة مقاربة الملف السوري داخل دوائر القرار الأمريكية والدولية.
ويرى خبراء في العلاقات الدولية أن أهمية هذه التطورات لا تكمن في نتائجها القانونية المباشرة بقدر ما تكمن في الرسائل السياسية التي تحملها، فالإدارة الأمريكية تدرك أن الوثائق والتصنيفات الرسمية ليست مجرد أدوات قانونية، بل إشارات تتابعها الحكومات والمؤسسات المالية والشركات العالمية بدقة، لأنها تعكس اتجاهات السياسة الخارجية للدولة الأقوى في العالم.
ومن هذا المنطلق، يعتقد محللون أن إخراج سوريا من قائمة “عدم التعاون” يمثل اعترافاً ضمنياً بأن الدولة السورية الجديدة باتت تُقارب من زاوية مختلفة عن تلك التي حكمت السياسات الأمريكية خلال العقدين الماضيين، إذ إن الولايات المتحدة، وفق هذا الرأي، لا تمنح مثل هذه الإشارات مجاناً، بل بعد تقييم لمجمل التحولات التي شهدتها البلاد، سواء على مستوى الاستقرار الداخلي أم على مستوى الانفتاح الدبلوماسي والتعاون مع المجتمع الدولي.
ويذهب بعض الخبراء إلى أبعد من ذلك، معتبرين أن مشروع إلغاء قانوني العقوبات لا يعكس فقط رغبة في معالجة ملف قانوني قديم، بل يشير إلى بداية مراجعة أوسع لإرث سياسي ارتبط بمرحلة مختلفة تماماً من تاريخ سوريا، فالقوانين التي أُقرت في عامي 2003 و2012 كانت تستهدف واقعاً سياسياً لم يعد قائماً اليوم، ولذلك فإن استمرارها بات يتناقض مع المعطيات الجديدة التي فرضتها التحولات السورية والإقليمية.
وفي قراءة أوسع للمشهد، يرى مراقبون أن ما يجري لا يمكن فصله عن التغيرات الكبرى التي تشهدها المنطقة، فخلال السنوات الماضية تحولت سوريا تدريجياً من ساحة صراع إلى عقدة جيوسياسية تتقاطع عندها مشاريع الطاقة والنقل والتجارة وإعادة الإعمار. ومع تصاعد المنافسة الدولية على الممرات الاقتصادية وسلاسل الإمداد، عادت الجغرافيا السورية لتفرض نفسها بوصفها عاملاً لا يمكن تجاوزه في معادلات المنطقة.
ويشير خبراء الاقتصاد السياسي إلى أن سوريا تمتلك موقعاً يجعلها صلة الوصل الطبيعية بين الخليج العربي وشرق المتوسط، وبين الأسواق العربية والأوروبية، وبين مشاريع الطاقة القادمة من الشرق والجنوب نحو البحر المتوسط، ولذلك فإن إعادة دمجها في الاقتصاد الإقليمي لم تعد مسألة سياسية فحسب، بل باتت مرتبطة بمصالح اقتصادية واستراتيجية واسعة النطاق.
وفي هذا السياق، يلفت محللون إلى أن التحولات الدولية تجاه دمشق جاءت أيضاً نتيجة نجاح الدبلوماسية السورية في إعادة تعريف دور البلاد خارج الصور النمطية التي سادت خلال السنوات الماضية، فبدلاً من خطاب الأزمة، قدمت سوريا نفسها بوصفها شريكاً في الاستقرار الإقليمي، ومنصة محتملة للتكامل الاقتصادي ومشاريع الربط والطاقة.
كما نجحت في بناء شبكة واسعة من العلاقات مع عواصم عربية وإقليمية ودولية، ما عزز حضورها كفاعل سياسي لا يمكن تجاهله في ملفات المنطقة.
ويرى مراقبون أن المبادرات التي طرحتها دمشق في مجالات التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار والاستثمار لعبت دوراً مهماً في تغيير المزاج الدولي، لكون الدول والمؤسسات المالية لا تنظر فقط إلى الواقع السياسي، بل تبحث عن فرص الاستقرار والنمو والعوائد الاقتصادية، وكلما ازدادت المؤشرات على قدرة سوريا على توفير بيئة مستقرة وجاذبة للاستثمار، ازدادت شهية الانفتاح عليها.
وبحسب تقديرات خبراء، فإن أخطر ما في هذه التطورات لخصوم سوريا ليس القرارات نفسها، بل ما تمثله من بداية تحول في السردية الدولية، فبعد سنوات كانت فيها النقاشات تدور حول كيفية عزل سوريا، بات الحديث يدور حول كيفية دمجها في الاقتصاد الإقليمي والعالمي، وبعدما كانت العقوبات تُقدَّم باعتبارها أداة ضغط طويلة الأمد، أصبحت موضع مراجعة داخل المؤسسات الأمريكية نفسها.
لذلك، يخلص كثير من المحللين إلى أن الوثيقة الأمريكية الأخيرة ومشروع القانون المطروح في الكونغرس لا يمثلان نهاية مسار، بل بداية مرحلة جديدة تتراجع فيها تدريجياً آثار العزلة السياسية والاقتصادية، ومع تنامي أهمية سوريا في خرائط الطاقة والتجارة والربط الإقليمي، وتعاظم دورها الدبلوماسي خلال الفترة الماضية، يبدو أن المجتمع الدولي بدأ يتعامل مع دمشق بوصفها جزءاً من الحلول المستقبلية في المنطقة، وفي عالم تحكمه المصالح والجغرافيا أكثر من الشعارات، قد تكون هذه هي الرسالة الأهم التي تحملها التطورات الأخيرة.






