الوطن – أسرة التحرير
لا شك في أن سلسلة اللقاءات الموسعة التي أجراها وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني ورئيس جهاز الاستخبارات العامة حسين السلامة في الجزائر، تحمل دلالات مهمة وتندرج ضمن سياق يعكس تحوّلاً مدروساً في مقاربة السياسة الخارجية السورية، قوامه إعادة التموضع عربياً وإقليمياً عبر بوابات التعاون الاقتصادي والاستراتيجي، فماذا في قراءة ما وراء الزيارة وأهدافها والمتوقع من نتائجها؟
التنوع اللافت في مستوى ونوعية اللقاءات، من رئيس الجمهورية إلى وزراء السيادة والقطاعات الإنتاجية، يشير بوضوح إلى أن الزيارة جاءت لتؤسس مرحلة جديدة من العلاقات الثنائية تقوم على تعددية الملفات وتكامل المصالح، إذ إن استعراض أطر التعاون في مجالات الطاقة والمناجم والصناعات ذات الصلة يعكس إدراكاً مشتركاً لأهمية هذه القطاعات كرافعة للتنمية، وكمدخل عملي لترجمة التقارب السياسي إلى مشاريع ملموسة.

وفي هذا السياق، يكتسب البحث في التعاون في مجالات الطاقة التقليدية والمتجددة، إلى جانب المحروقات والبنية التحتية، دلالة استراتيجية تتجاوز البعد الاقتصادي، ليصل إلى مستوى بناء شراكات طويلة الأمد تؤسس لاعتماد متبادل، وخاصة في ظل التحولات العالمية في أسواق الطاقة، كما أن إدراج قطاع الزراعة والتنمية الريفية ضمن أجندة اللقاءات يعكس توجهاً نحو تنويع مجالات التعاون بما يضمن استدامته وعدم اقتصاره على قطاع واحد.
بالتوازي، فإن اللقاءات ذات الطابع السياسي والأمني التي أجراها الشيباني والسلامة تحمل رسائل لا تقل أهمية، إذ تؤكد أن دمشق تسعى إلى إعادة تفعيل قنوات التنسيق مع الدول العربية الفاعلة، انطلاقاً من مقاربة تقوم على المصالح المشتركة واحترام السيادة، ويبرز هنا البعد المتعلق بتبادل وجهات النظر حول التطورات الإقليمية والدولية، بما يعكس رغبة في استعادة الدور السوري ضمن معادلات التوازن الإقليمي.
وترى مصادر سياسية متابعة في دمشق أن من بين ما هو لافت أيضاً في المباحثات الموسعة الحضور المشترك للبعد الاقتصادي مع السياسي، كما تجلّى في اللقاء مع رجال الأعمال والمستثمرين السوريين، حيث جرى استعراض فرص التعاون والاستثمار، فهذه الخطوة تؤشر إلى توجه واضح نحو إشراك القطاع الخاص في عملية إعادة بناء العلاقات، بما يعزز ديناميتها ويمنحها بعداً عملياً بعيداً عن الطابع النظري.
ختاماً، تعكس الزيارة وما تخللها من لقاءات مكثفة مضي سوريا بثبات في سياسة الانفتاح وتعزيز العلاقات مع الدول العربية والإقليمية، مستفيدة من المتغيرات التي أعادت ترتيب الأولويات في المنطقة، والجزائر، بما تمثله من ثقل سياسي واقتصادي ومواقف داعمة، تبدو شريكاً طبيعياً في هذه المرحلة.
وعليه، يمكن القول إن دمشق تسعى إلى بناء نموذج جديد للعلاقات الثنائية يقوم على الشراكة المتكافئة والمصالح المتبادلة، في مسار قد يفتح الباب أمام إعادة تموضع أوسع لسوريا على الخريطة الإقليمية، ليس فقط كطرف حاضر، بل كفاعل يسعى إلى صياغة توازنات جديدة تتناسب مع واقع ما بعد الأزمات.








