ليس كل اختلاف بين الناس مشكلة؛ فالحياة نفسها قائمة على اختلاف الآراء ووجهات النظر، ولو اتفق الناس في كل شيء لما كان للحوار معنى، ولا للاجتهاد مساحة، ولا للتفكير قيمة. المشكلة تبدأ حين لا نكتفي بأن نختلف، بل نجعل من اختلافنا سبباً للحكم على بعضنا، ثم ننتقل من مناقشة الفكرة إلى تصنيف الإنسان الذي يحملها.
وقد يكون هذا الأمر أكثر حساسية عندما يتعلق بالقضايا الدينية والفكرية، لأن المسألة التي تبدأ نقاشاً بين أهل العلم أو أصحاب الرأي قد تخرج إلى الناس بصورة مختلفة، فتتحول من اختلاف في وجهة النظر إلى حساسية بين أفراد المجتمع، ثم إلى خصومة، وكأن اختلافنا في مسألة يعني بالضرورة أننا مختلفون في كل شيء.
وهنا نحتاج إلى أن نتوقف قليلاً، لا لنسأل: من انتصر في النقاش؟ وإنما لنسأل سؤالاً أهم: ماذا فعل بنا هذا الاختلاف؟ هل جعلنا نفهم بعضنا أكثر، أم جعلنا نبتعد عن بعضنا أكثر؟
فليس كل اختلاف يعني خصومة، ولا كل رأي مختلف كان سبباً بأن يتحول الناس إلى فريقين متقابلين، لأن الاختلاف في الرأي شيء، وتحويل الاختلاف إلى قطيعة بين الناس شيء آخر تماماً.
فمن حق الإنسان أن يقتنع بما يراه صحيحاً، وأن يدافع عن فكرته بالحجة، وأن يناقش غيره فيما يختلفان فيه، لكن المشكلة حين تتحول القناعات إلى بطاقات نصنف بها الناس، فنحكم على الشخص قبل أن نعرفه، ونرى انتماءه قبل أن نرى أخلاقه، ونبحث عمّا يفرقنا عنه قبل أن نتذكر ما يجمعنا به.
والحقيقة أن أبناء المجتمع الواحد قد يختلفون في مسائل كثيرة، ومع ذلك يعيشون معاً، ويتعاملون، ويتعاونون، ويقفون إلى جانب بعضهم في الشدائد، لأن الإنسان يعرف أن اختلاف أخيه معه في مسألة لا يجعله عدواً له، وأن القناعة التي يحملها لا تحتاج بالضرورة إلى أن تتحول إلى جدار يفصله عن الآخرين.
وهذا ما نحتاج إلى أن نتذكره اليوم، فنحن بحاجة إلى أن نختلف من دون أن نتخاصم، وأن نناقش من دون أن نصنف، وأن نتمسك بما نراه حقاً من دون أن نسقط حق الآخرين في أن يروا غير ما نرى.. فالمجتمع لا يبنى عندما يتفق أفراده في كل شيء، وإنما يبنى عندما يعرفون كيف يعيشون مع اختلافهم، ويحفظون في الوقت نفسه ما بينهم من روابط ومصالح ومودة.
وهنا تظهر مشكلة أخرى لا يمكن تجاهلها، وهي أن هناك من يستثمر في الخلافات، وينتظر أي إشكال ليضرب هذا بذاك، ويشعل النار بين الطرفين. وفي فضاء التواصل الاجتماعي قد نجد حسابات أو مجموعات لا يهمها الوصول إلى الحقيقة بقدر ما يهمها أن يبقى الناس في حالة اشتباك دائم، فتأخذ مقطعاً من هنا، وتعليقاً من هناك، وتضع هذا في مواجهة ذاك، ثم تضيف إلى الخلاف ما يجعله أكثر إثارة، حتى يتحول النقاش إلى معركة، ويصبح الناس أسرى لخلاف ربما لم يكن بهذا الحجم أصلاً.
وهذا ما يشار إليه أحياناً بـالذباب الإلكتروني، أي الحسابات أو الجهات التي تستثمر في الخلاف، وتضخّم ما يفرق، وتدفع كل طرف إلى النظر إلى الطرف الآخر باعتباره خصماً، لكن الأخطر من ذلك أن هذا النوع من الخطاب لا يستطيع أن يفعل الكثير إذا لم يجد من يحمل عنه النار، فنحن أحيانًا، بحسن نية، نساعد على انتشار ما كان ينبغي أن يتوقف عند حدوده، فنعيد نشر المقطع، ونرد عليه، ونغضب بسببه، وندخل في سجال طويل حوله، ثم يصبح الخلاف الذي كان يمكن أن يبقى محدوداً حديث الناس جميعاً.
ولهذا ربما أصبح من الضروري أن نسأل أنفسنا قبل أن نشارك في أي سجال: هل أنا أقرّب المسافات، أم أزيدها اتساعاً؟ فليس كل ما يصل إلى هواتفنا يستحق أن نمنحه وقتنا وغضبنا، وليس كل مقطع مقتطع يمثل الصورة كاملة، وليس كل من يضع نفسه في موقع الدفاع عن فكرة أو جماعة يريد بالضرورة أن يجمع الناس. وأحياناً تكون أفضل طريقة لإفشال من يريد إشعال الخلاف أن نرفض أن نكون جزءاً من النار.
وسوريا اليوم بحاجة إلى أن نكون أكثر انتباهاً لهذا الأمر، فما مرّ بها خلال السنوات الماضية ترك جراحاً كثيرة، وأوجد حساسيات وانقسامات لا تحتاج إلى من يوقظها كل يوم بعنوان جديد، وإنما تحتاج إلى من يساعد على تهدئتها وترميم ما تصدّع منها.. نحن بحاجة إلى من يرمم النفوس، لا إلى من يختبر قدرتها على الانقسام، وإلى خطاب ديني وفكري وإعلامي يعرف كيف يشرح الاختلاف من دون أن يحوله إلى خصومة، ويعرف كيف يقول للناس إننا قد نختلف في هذه المسألة أو تلك، لكننا في النهاية أبناء مجتمع واحد، وما بيننا من المشتركات أكبر بكثير مما اختلفنا فيه.
وما أكثر ما يجمعنا، فبين أبناء المجتمع الواحد دين وبلد ولغة وتاريخ وجيرة ومصاهرة وعمل وذكريات وهموم مشتركة، وفوق ذلك كله أمل في مستقبل أفضل لأبنائنا.. وقد نختلف في فكرة أو اجتهاد أو موقف، لكن هل يعقل أن نسمح لخلاف واحد بأن يحجب كل هذه المساحات الواسعة التي تجمعنا؟
ليس المطلوب أن نتفق في كل شيء، ولا أن نتخلى عن قناعاتنا، ولا أن نلغي حق الإنسان في أن يفكر ويناقش، وإنما المطلوب أن يعرف كل شيء مكانه، فالنقاش له ساحته، والبحث له لغته، والحياة الاجتماعية لها روابطها، والوطن يتسع لأبنائه جميعاً.. والخلاف الذي يبقى في ساحته الطبيعية يمكن أن يكون مجالاً للبحث والإثراء، أما حين نخرجه من تلك الساحة ليصبح وسيلة لتقسيم الناس وتصنيفهم، فإننا لا نكون قد حللنا المشكلة، وإنما صنعنا مشكلة جديدة.
ولهذا يتحمل صاحب الكلمة العامة مسؤولية كبيرة في هذا المجال، سواء أكان عالماً أم داعية أو مثقفاً أو إعلامياً، لأن الكلمة حين تخرج إلى الناس لا تبقى دائماً في حدود من سمعها أول مرة، وإنما قد تنتشر خلال دقائق، وقد تُقتطع من سياقها، وقد يستعملها آخرون بطريقة لم يقصدها صاحبها، ومن هنا تأتي أهمية الحكمة في الخطاب العام، لا باعتبارها تراجعاً عن الموقف، وإنما باعتبارها وعياً بأثر الكلمة ومسؤولية تجاه الناس.
نحن بحاجة إلى كلمات تجمع القلوب قبل أن تنتصر للآراء، وإلى من يذكرنا بما نتفق عليه قبل أن يسرد لنا قائمة ما نختلف فيه، وإلى أن نتعلم أدب الاختلاف بقدر ما نتعلم أدلة الاختلاف، لأن قوة الرأي لا تحتاج إلى إسقاط الآخر، وصحة القناعة لا تحتاج إلى تحويل المخالف إلى خصم، والإنسان الذي يعتز بما يؤمن به لا يحتاج إلى أن يجعل منه سبباً لقطع صلته بأخيه.
فسوريا فيها ما يكفيها من القضايا التي تحتاج إلى العمل: الأمن، والتعليم، والاقتصاد، والإعمار، وفرص العمل، وتحسين حياة الناس، وكل ذلك يحتاج إلى مجتمع متماسك، وإلى نفوس هادئة، وإلى خطاب مسؤول لا يسمح لكل خلاف بأن يتحول إلى انقسام.. ونحن أحوج ما نكون إلى أن نضع ما يجمعنا في مقدمة حديثنا، وأن نترك لكل قضية ساحتها، وألا نسمح لمن يريد إشعال النار بين الناس بأن يجد فينا من يحمل الحطب إليه.
وفي النهاية، لسنا مُطالَبين بأن نكون متطابقين حتى نكون إخوة، ولا بأن نتفق في كل التفاصيل حتى نعمل معاً، وإنما نحن مُطالَبون بأن نعرف أن الإنسان الذي يختلف معنا في مسألة لا يصبح بسببها خصماً، وأن اختلاف الاجتهاد ينبغي ألا يتحول إلى اختلاف في القلوب.
نختلف في آرائنا، نعم، لكن لا نختلف على أخوّتنا، وقد تتعدد اجتهاداتنا، لكن ما يجمعنا أكثر مما يفرقنا.
فسوريا أكبر من أن تختصر في رأي، وأوسع من أن تسعها تسمية، وأغلى من أن نخسر بعضنا بسبب خلاف يمكن أن يبقى في ساحته الطبيعية.
وفي البداية والختام.. تظل سوريا أكبر من خلافاتنا.









