الوطن – أسرة التحرير
لاشك أن إعلان رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، اليوم السبت، عن التوصّل إلى الصيغة النهائية لاتفاق سلام بين الولايات المتحدة وإيران، يبلغ من الأهمية حجماً يساوي أوجاع الاقتصاد العالمي منذ بداية الحرب الأميركية – الإيرانية 28 شباط الماضي، غير أن الإعلان عن الاتفاق يحمل الكثير من الأهمية، لجهة الانعكاسات الميدانية والدلالات السياسية التي ستنتج عنه، وذلك بعد أكثر من مئة يوم من المواجهات والتوتر والتصعيد العسكري والقلق من انزلاق الشرق الأوسط إلى مواجهة واسعة، وليكون إعلان شريف أن بلاده تستعد لتوقيع إلكتروني على اتفاق السلام الأميركي الإيراني خلال 24 ساعة، بمثابة إعلان عن خروج المنطقة من غرفة الإنعاش التي وضعتها فيها الحرب بين أميركا وإيران.
لأكثر من ثلاثة أشهر، عاشت المنطقة حالة من التوتر جراء تبادل الهجمات بين إيران من جهة وأميركا وإسرائيل من جهة أخرى، وحالة من الخوف من أن يتحول أي خطأ في الحسابات إلى حرب مفتوحة تمتد آثارها من الخليج إلى البحر المتوسط وإلى أبعد من المنطقة، وحالة من الترقّب الدائم مع كل جولة تفاوض بين واشنطن وطهران، أو حراك للوسيط الباكستاني للتوصل إلى ما تم التوصل إليه اليوم.

إعلان شريف عن قرب التوقيع عن اتفاق سلام، يثبت حقيقة كثيراً ما تتجاهلها القوى العظمى في سياساتها الخارجية، وهي أن الحلول السياسية والدبلوماسية تبقى أقوى من لغة الرصاص، وأن ما تعجز عن إنجازه الصواريخ والطائرات يمكن أن تخطّه وتحققه الدبلوماسية على طاولة المفاوضات، وبين واقع مؤقت يمكن أن تفرضه العسكرة، وسلام دائم تصنعه السياسة، تبقى الهوة كبيرة، والأثر أعمق وأبقى.
يرى محللون استراتيجيون أن التوصل إلى اتفاق، يعدّ اعترافاً غير مباشر، بأن تكلفة الحرب أكبر بكثير من الجلوس على طاولة الحوار، مؤكدين أن الإدارة الأميركبة أدركت أن الذهاب إلى حرب مفتوحة مع إيران سيجرّ المنطقة إلى أتون فوضى يصعب احتواؤها لاحقاً، وذات الحالة بالنسبة لإيران، التي تعي جيداً أن استمرار الحرب والمواجهة المفتوحة مع أميركا وإسرائيل، سيشدد الخناق الاقتصادي والسياسي الذي يفرض عليها، ما قد يؤدي إلى حالة من الفوضى الداخلية، والانهيار التدريجي لاحقاً.
كذلك، فإن الدور الباكستاني الذي أفضى إلى هذا الاتفاق يمنح إسلام آباد مكانة سياسية ودبلوماسية متقدمة، ويؤكد أن القوى الإقليمية باتت قادرة على لعب أدوار مؤثرة في معالجة الأزمات الكبرى، بعيداً عن الاحتكار التقليدي للقوى الدولية لمسارات الوساطة والتسوية.
ومع ذلك، فإن الاحتفاء بالاتفاق لا ينبغي أن يحجب حقيقة أن الطريق نحو سلام مستدام ما زال طويلاً. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في توقيع الوثيقة، بل في الالتزام ببنودها وترجمتها إلى إجراءات عملية تبني الثقة بين الطرفين وتمنع العودة إلى دوامة التصعيد. كما أن الملفات العالقة، من البرنامج النووي الإيراني إلى النفوذ الإقليمي والعقوبات الاقتصادية ستظل اختباراً جدياً لقدرة الاتفاق على الصمود.
ربما من المبكر الحديث عن نتائج الاتفاق المباشرة على الأرض، وخاصة مع تأكيد الخارجية الإيرانية أمس السبت، أنه لن تتم مناقشة أي موضوع يتعلق بالنووي بهذه المرحلة، وأن الاتفاق لن يوقع اليوم، إلا أن المؤكد هو أنه يفتح الأبواب بشكل أوسع، مع كثير من الهدوء، أمام تسويات أخرى في المنطقة ما يتجاوز القضايا بين البلدين، ويؤسس لمناقشة قضايا خلافية بين واشنطن وطهران بعيداً عن طبول الحرب.
في غمرة الحديث عن الاتفاق وأهميتة وانعكاساته، لا يمكن تجاهل الوساطة الباكستانية، ودورها الدبلوماسي اللافت، في أزمة تعدّ من أكثر الأزمات الدولية تعقيداً وحساسية، الأمر الذي أنتج نجاحاً دبلوماسياً لا يمكن لأحد نكرانه، وذلك نتيجة قدرة الساسة في باكستان على مدّ خيوط الثقة بين طرفين وتمتّعهم بالصبر والحنكة والقدرة على الإقناع وتقريب البعيد بين الطرفين.








