رأى الصناعي السوري عبد الله عبد الملك علبي أن زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى ألمانيا خطوة إيجابية لأهميتها “ليست في بعدها السياسي فقط، بل في كونها مدخلاً عملياً يمكن أن يؤسس لمسار اقتصادي وصناعي جديد”، مبيّناً أن التحدي اليوم “ليس في الزيارة بحد ذاتها، بل في كيفية تحويلها إلى برنامج عمل واضح يركز على بناء اقتصاد منتج، وليس مجرد إعادة إعمار تقليدية، وإذا أُديرت هذه الخطوة بشكل صحيح، يمكن أن تكون بداية لتحول صناعي حقيقي قائم على المعرفة”.
وعن الدور الذي قد تضيفه ألمانيا لعملية إعادة الإعمار في سوريا، خصوصاً في الجانب الصناعي، أعرب علبي، في حوار مع “الوطن”، عن اعتقاده أن ألمانيا “يجب أن تُرى كشريك صناعي استراتيجي، وليس كممول أو مزود معدات فقط، فقوتها الحقيقية تكمن في الأنظمة الصناعية المتكاملة، والهندسة، وإدارة الإنتاج، وليس فقط في المنتجات، وشركات مثل Siemens وغيرها تمثل هذا النموذج، حيث لا تقدم آلات فقط، ولكنها تقدم منهج عمل كامل، إذا الفارق هنا هو بين إعادة بناء تقليدية تعتمد على التنفيذ، وبين بناء منظومة صناعية حديثة قادرة على الاستمرار والتطور”.
وأوضح أنه ومن خلال احتكاكه الطويل والمباشر مع الشركات الألمانية سواء عبر عمله الشخصي الممتد لأكثر من 25 عاماً أو عبر تجربة عبر أعمال العائلة عمرها 40 عاماً في التعامل معها في المنطقة “يمكن القول إن أكثر ما يلفت الانتباه هو الانضباط العالي، ووضوح الإجراءات، ودقة التوقعات، حيث إن هناك فرقاً كبيراً بين الصورة الخارجية، وبين الفهم الحقيقي من الداخل لطريقة عملهم، وهي طريقة قائمة على نظام صارم لكن فعال جداً”.

وأشار إلى أن التكنولوجيا وحدها ليست فعليا الميزة الأساسية للنموذج الصناعي الألماني “فمن خلال العمل المباشر مع شركات ألمانية في مشاريع متعددة، يتضح أن الأساس هو؛ منهج العمل، أنا التكنولوجيا فهي نتيجة، وليست نقطة البداية. وهذا المنهج يقوم على نظام دقيق يحكم كل تفصيل، إلى جانب جودة طويلة الأمد وتخصص عميق ووضوح كامل في الإجراءات واستثمار حقيقي في الإنسان، حيث أن المنتج النهائي هو انعكاس لهذا المنهج، وليس العكس”.
وحول إشكالية الربط بين استيراد التكنولوجيا وتحقيق تحول صناعي حقيقي، لفت الصناعي السوري إلى أن “المشكلة تكمن في الخلط بين شراء الحلول، وبين تبني طريقة العمل، فعندما يتم استيراد التكنولوجيا دون فهم المنهج الذي أنتجها، تتحول إلى أدوات فقط، أما التحول الحقيقي فلا يأتي من المعدات، بل من تغيير طريقة التفكير والعمل، وهذا ما يغيب في كثير من التجارب”.
وفيما يخص مفهوم نقل المعرفة (Know-how Transfer) وما يعنيه عملياً لعبد الله عبد الملك علبي في سياق تعاونه مع ألمانيا، ذكر أنه وفي عدد من المشاريع التي عمل عليها مع شركات ألمانية “كان الفرق واضحاً بين مشروع تقني ومشروع معرفي، إذ إن نقل المعرفة عملياً يعني إشراك الكفاءات المحلية في التصميم وليس فقط التنفيذ، مع تدريب مستمر وممنهج وليس لمرة واحدة، بالإضافة إلى بناء برامج تأهيل مهنية حقيقية مرتبطة بالصناعة، والعمل ضمن بيئات مشتركة، ونقل الثقافة المهنية، وليس فقط الإجراءات، فمن دون تدريب جاد ومستمر، لا يمكن أن تنجح أي تجربة نقل معرفة، لأن المعرفة لا تُنقل بالوثائق، بل بالممارسة”.
وتحدث من واقع تجربته عن الفرق بين المشاريع التي تقتصر على التوريد والتركيب، وتلك التي تُبنى على نقل المعرفة، وقال: “المشاريع التي تقتصر على التوريد والتركيب يكون أثرها مؤقت، وتبقي الاعتماد على الخارج قائماً، أما المشاريع المبنية على نقل المعرفة، فهي تخلق أثراً تراكمياً، وتبني قدرات محلية، وتؤسس لاستقلالية مستقبلية. وغالباً ما يكون الفارق الحاسم بين الإثنين هو وجود برامج تدريب حقيقية مرافقة للمشروع، أو غيابها”.
وأضاف: “يمكن أن يتطور التعاون مع ألمانيا إلى ما هو أبعد من التوريد، مثل التكامل في سلاسل الإنتاج وسلاسل القيمة، وهذا هو الاتجاه الأهم، وهذا ما لمسناه فعلياً في التعامل مع الشركات الألمانية في أسواق المنطقة عبر سنوات طويلة. التعاون يمكن أن يتطور ليشمل؛ التصنيع الجزئي والتجميع والخدمات الصناعية والهندسية، بمعنى أن تصبح الصناعات المحلية جزءاً من سلاسل القيمة الألمانية والأوروبية، وليس مجرد سوق لها”.
وردّ علبي على سؤال: ما الذي تحتاجه سوريا عملياً لتكون جزءاً من هذه السلاسل الصناعية المرتبطة بألمانيا وأوروبا، فقال: “هناك مجموعة من المتطلبات الأساسية، منها تطوير الصناعات المغذيّة، والالتزام الصارم بمعايير الجودة، وتحسين البنية اللوجستية، وتنظيم السوق بشكل واضح، علاوة على استثمار الموقع الجغرافي بشكل ذكي، والاستثمار في التدريب وبناء الكفاءات الصناعية بشكل منهجي ومستمر”، مشيراً إلى أن “التدريب هنا ليس عامل دعم بل عنصراً حاسماً في القدرة على الاندماج الفعلي في سلاسل القيمة”.
وتحدّث عن دور السوريين في ألمانيا في موضوع إعادة الإعمار، ورأى أن الجالية السورية في ألمانيا “ليست مجرد رقم، بل هي شبكة قيمة حقيقية، يمكن أن تلعب دوراً محورياً في بناء العلاقات ونقل المعرفة ودعم برامج التدريب وربطها بالواقع الصناعي الألماني والربط بين السوقين”، لافتاً إلى أنه إذا تم تفعيل هذا الدور بشكّل صحيح “فيمكن أن تتحوّل إلى رافعة اقتصادية حقيقية”.
وشدّد على أنه ولنجاح شراكة صناعية مع ألمانيا ومع أي دولة،، فإن الأمر يتطلب وضوحاً في عدة نقاط، في مقدّمتها “اختيار الشركاء المناسبين وتحديد الأولويات الصناعية وبناء منصّات تدريب وتطوير صناعي حقيقية، إلى جانب ربط التمويل بالإنتاج ونقل المعرفة، والاستثمار الجاد في تدريب الكوادر والالتزام بثقافة العمل الألمانية، منوهاً بأنه ومن دون عنصر التدريب، تبقى أي شراكة ناقصة وغير قادرة على الاستمرار”.
وختم حديثه ل “الوطن” پأن فرصة نجاح التعاون الصناعي مع ألمانيا في المرحلة القادمة موجودة “وهي كبيرة، لكن التحدي الحقيقي هو في الإدارة، حيث إن الفارق سيكون دائماً بين مسارين: اتفاقيات شكلية، أو بناء صناعي حقيقي قائم على المعرفة والتدريب. وفي النهاية، الفارق الحقيقي هو الفرق بين من يشتري الحلول، ومن يشارك بصنعها”.
يُشار إلى أن عبد الله عبد الملك العلبي يحمل الجنسية الألمانية، وقد وُلد ونشأ فيها، ما عزّز ارتباطه القوي بالسوق والثقافة الألمانية.
وهو يمتلك خبرة عملية تزيد على خمسة وعشرين عاماً في بناء شراكات استراتيجية مع شركات ألمانية في قطاعات صناعية وتقنية، تشمل الصناعات المعدنية، والروبوتات والأتمتة، والصناعات الغذائية، والأعمال الهندسية والاستشارية.
كما أسهم في إدخال شركات وتقنيات ألمانية إلى أسواق الشرق الأوسط، ولا سيما في السعودية ودول الخليج، ونفّذ مشاريع مشتركة ركزت على نقل التكنولوجيا وتوطين الخبرات، معززاً دوره كجسر فاعل للتعاون الصناعي بين ألمانيا والمنطقة.








