تعكس عودة دفعة جديدة من النساء والأطفال الأستراليين المرتبطين بعائلات تنظيم “داعش” الإرهابي من مخيّم “روج” شمال شرقي سوريا، استمرار التحدّيات التي تواجهها الحكومات الغربية في التعامل مع ملف مواطنيها المحتجزين في مخيّمات شمال شرقي سوريا، وهو ملف يجمع بين التعقيدات الأمنية والقانونية والإنسانية في آن واحد.
الخطوة الأسترالية الأخيرة، التي شملت نقل نساء وأطفال إلى سيدني وملبورن وسط إجراءات أمنية مشدّدة، كما ذكرت هيئة الإذاعة الإسترالية، اليوم الثلاثاء، لا تبدو مجرد عملية إجلاء إنسانية، بل تأتي ضمن مقاربة أكثر اتساعاً تسعى من خلالها كانبيرا إلى احتواء المخاطر المحتملة بدل تركها خارج السيطرة في بيئات توصف بأنها حاضنة للتطرّف وإعادة إنتاج التنظيمات الجهادية.
وبحسب هيئة الإذاعة الأسترالية شدّدت الحكومة الأسترالية على أن العائدين لن يحصلوا على دعم مالي خاص، وأن أي شخص يثبت تورّطه في أنشطة مرتبطة بتنظيم “داعش” سيواجه ملاحقات قضائية صارمة، في رسالة سياسية واضحة تهدف إلى امتصاص الانتقادات الداخلية المرتبطة بإعادة أفراد ارتبطت أسماؤهم بتنظيم مصنّف إرهابياً.

تُظهر طبيعة الإجراءات الأمنية المرافقة لوصول العائدين أن السلطات الأسترالية تتعامل مع الملف بوصفه قضية أمن قومي بالدرجة الأولى، فالانتشار الأمني في المطارات، وإبعاد العائدين عن التغطية الإعلامية، والتصريحات المتشدّدة الصادرة عن المسؤولين، كلها مؤشرات على حساسية الملف داخل أستراليا، وخصوصاً في ظل المخاوف من إمكانية عودة الفكر المتطرّف أو انتقاله إلى الجيل الأصغر من الأطفال الذين نشؤوا في بيئات مرتبطة بالتنظيم.
وفي هذا السياق، تحاول الحكومة الأسترالية تحقيق توازن دقيق بين التزاماتها القانونية تجاه مواطنيها، وبين الضغوط السياسية والشعبية الرافضة لإعادة أي شخص ارتبط بتنظيم “داعش”، حتى وإن كان ضمن إطار عائلي أو إنساني.
الشق الأكثر تعقيداً في الملف يتعلّق بالأطفال، إذ ترى الحكومات الغربية أن كثيراً منهم يعدّون ضحايا لقرارات آبائهم، بينما تُحذّر الأجهزة الأمنية من أن سنوات العيش داخل المخيّمات قد تترك آثاراً نفسية وفكرية عميقة عليهم.
ولهذا، فإن عمليات الإعادة لا تنتهي بوصول العائدين إلى بلادهم، بل تبدأ بعدها مرحلة أكثر حساسية تشمل التحقيقات الأمنية، وبرامج إعادة التأهيل النفسي والاجتماعي، إضافةً إلى مراقبة طويلة الأمد لبعض الحالات التي قد تُصنّف عالية الخطورة.
وتشير تجارب دول أوروبية عدة إلى أن نجاح هذه البرامج يبقى محدوداً ومعقّداً، وخاصة مع غياب نماذج واضحة لدمج العائدين من مناطق سيطرة التنظيمات المتشدّدة داخل المجتمعات الغربية.
تأتي التحركات الأسترالية أيضاً في سياق ضغوط دولية متزايدة على الدول الغربية لاستعادة رعاياها من مخيّمات في سوريا، حيث لا تزال آلاف النساء والأطفال من جنسيات مختلفة هناك.
وبينما تفضل بعض الدول الأوروبية إبقاء الملف مجمّدا تجنّباً للكلفة السياسية والأمنية، تبدو أستراليا من الدول التي اختارت معالجة القضية تدريجياً عبر استعادة دفعات محدودة، مع الإبقاء على نهج أمني صارم ورسائل سياسية حادة تجاه أي ارتباط بتنظيم “داعش”.
وفي شباط الماضي قالت القيادة المركزية الأميركية: إن القوات الأميركية أنجزت مهمتها في سوريا في ٢١ من ذات الشهر والمتمثّلة في نقل ٥٧٠٠ عنصر معتقل في سوريا من تنظيم داعش إلى العراق.
وفي ١٢ تشرين الثاني ٢٠٢٥ أعلنت السفارة الأميركية في دمشق، بتدوينة على منصّة شركة “إكس”، انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة “داعش”.
الوطن _ أسرة التحرير








