في حلب اليوم، لم تعد المأساة تُقاس بعدد القذائف ولا حصيلة الضحايا، بل بملامح الأطفال الذين تغيّر شكل حياتهم في لحظة، عينٌ تُطفأ ويدٌ تُبتر، وطفولةٌ تُكسر قبل أن تكتمل، فمع قصف «قسد» الأحياء السكنية، تتحول البيوت إلى ذاكرة مهدمة، ويغدو الألم اليومي حكايات إنسانية موجعة يرويها الآباء بدموعٍ عاجزة، وتختزنها المستشفيات في أسرّة صغيرة لا تحتمل كل هذا الوجع.
أبٌ يبكي صورة طفله
على قارعة الطريق لم يكن بكاء الأب هذه المرة خوفاً من المستقبل، بل كان حداداً على حاضرٍ سُرق منه إلى الأبد، ففي أحد أحياء حلب جلس رجلٌ منكفئ على نفسه، يضم صورة طفله الذي فارق الحياة تحت أنقاض منزله في حي الميدان، بعد قصف نفذه تنظيم «قسد»، كان صوته مكسوراً، وملامحه شاحبة.
يقول الأب بصوتٍ تختلط فيه الدهشة بالفاجعة: “كنا نظن أن هذه المشاهد انتهت.. إن أولادنا لن يموتوا مرة أخرى بين أيدينا”، لكن القذيفة التي أطلقها “قسد” وسقطت على منزله أعادت فتح جراحٍ ظنها السوريون قد التأمت.
فاطمة الزهراء بعين واحدة
في مستشفى الرازي بحلب، كانت الطفلة فاطمة الزهراء أبو الشيخ ترقد على سريرٍ أبيض، أصغر من أن يحتمل وجعها، عمرها أربع سنوات ونصف السنة فقط، قبل ساعات كانت عائدةً من الروضة تحمل حقيبتها الصغيرة، وربما تحلم بلعبة أو حضن أم، لكن شظية بقطر نحو 8 سنتيمترات اخترقت وجهها بعد قصف عشوائي من “قسد” استهدف محيط دوار الزراعة.
مدير المستشفى الدكتور عبد القادر وصف الإصابة ببرود الأطباء الذي يخفي ألماً إنسانياً عميقاً: “وصلتنا الطفلة وهي فاقدة إحدى عينيها بالكامل، الشظية اخترقت الوجه، ولم يكن بالإمكان إنقاذ العين أو تحسين وضعها”.
أما والدها فلم يكن قادراً على ضبط صرخته: “شو ذنبها؟ شو ذنب بنت عمرها أربع سنين ونصف السنة؟”
ثلاثة أطفال في لحظة واحدة
وفي فاجعة أخرى لا تقلّ قسوة، فقَدَ أبٌ سوري ثلاثة من أطفاله بين شهيد ومصاب، إثر قصف “قسد” أحد الأحياء السكنية، ويقول الجيران إن المنزل كان يعج بالأصوات قبل القصف.. ضحكات ولعب وشجار طفولي عابر، لكن بعد دقائق فقط تحوّل كل شيء إلى صمتٍ ثقيل، لا يقطعه سوى صوت سيارات الإسعاف.
الأب، الذي بدا مذهولاً، لم يستوعب كيف يمكن للحظة واحدة أن تخطف نصف حياته: “كنت أبحث عنهم بين الغبار.. أنادي أسماءهم واحداً واحداً”، يقول وهو يشير بيده المرتجفة إلى المكان الذي كان منزله.
يد مبتورة ومستقبل مُعلق
وفي سريرٍ آخر، يرقد طفل فقدَ يده نتيجة شظية مماثلة، لم يفقد حياته، لكنه خسر جزءاً من طفولته، وربما من مستقبله، بينما والدته تجلس قربه وتمسح على رأسه بصمت، بلا دموع، كأن الدموع نفدت، أو لم تعد كافية.
المدنيون في مرمى النار
قصف “قسد” الذي طال أحياء الميدان وبستان الباشا ومحيط دوار الزراعة، لم يفرق بين بيتٍ وشارع، ولا بين طفلٍ وامرأة، والحصيلة شهداء ومصابون، أغلبهم مدنيون، أطفال ونساء، باستهدافات متكررة أعادت إلى الواجهة مأساة مدينة أنهكتها الحرب وبراميل النظام البائد.
الوطن






