يعدّ “تل حلف” واحداً من أبرز المواقع الأثرية في محافظة الحسكة؛ إذ يتميز بموقعه الاستراتيجي جنوب غربي مدينة “رأس العين” على بعد 3 كم، وعلى بعد 70 كم شمال غربي مدينة الحسكة، إلى الجنوب من سفوح “جبال طوروس” في منطقة غنية بينابيعها التي تُغذّي روافد “نهر الخابور” قرب الحدود السورية – التركية.
تبلغ مساحة الموقع قرابة 53 هكتاراً، ويضم مرتفعاً أبعاده 200 × 150 متراً يمثّل “المدينة العليا”، وتوجد فيه الأبنية الإدارية المهمة العائدة إلى الفترتين “الآرامية” و”الآشورية”، ويحيط بها سور. أما “المدينة المنخفضة” فتبلغ أبعادها 600 × 360 متراً، ويحيط بها سور آخر من كل الجهات عدا الجهة الشمالية والشمالية الغربية المطلة على “نهر الخابور”، حيث يقوم منحدر وعر يشكّل حماية طبيعية للموقع.
اكتُشف الموقع عام 1899 من قِبل الدبلوماسي الألماني البارون “ماكس فون أوبنهايم” بينما كان يمسح المنطقة لبناء سكة حديد بغداد، وعاد للتنقيب في الموقع بين عامي 1911 و1913، ثم مجدّداً عام 1929، وأنشأ متحف “تل حلف” في برلين لتخزين وعرض مكتشفاته، إلا أن المتحف تحطّم بسبب القصف الجوي العنيف في الحرب العالمية الثانية، كما تعرضت العديد من التحف للأضرار أو دُمّرت، ومع ذلك، فقد تم إنقاذ ثمانين متراً مكعباً من شظايا المنحوتات والتماثيل البازلتية الضخمة وتخزينها بعيداً في متحف “بيرغامون”.
وكشفت التنقيبات عن فخار يعود إلى نحو الألف السادس قبل الميلاد، تميّز بأشكاله وزخارفه، وانتشر نمطه لاحقاً في مناطق واسعة من الجزيرة وبلاد الرافدين، فأصبح اسم “حلف” مرتبطاً بمرحلة ثقافية أوسع من حدود الموقع نفسه، فكان التل هو الموقع النموذجي لثقافة “حلف” التي تطوّرت بدءاً من العصر “الحجري الحديث الفخاري”، وازدهرت من عام 6100 ق.م إلى 5400 ق.م.
ويبدو أن الموقع هُجر حتى الفترة الثانية في بداية الألف الأولى ق.م، عندما أصبح “تل حلف” إحدى الممالك الآرامية في شمالي سوريا، وعُرف في السجلات الآشورية باسم “جوزانا”.
وأظهرت الحفريات قصر “كبر” الذي يتمتع بتصميم هندسي فريد من نوعه؛ إذ يتكون من قاعة أمامية مستطيلة ذات مدخل عريض، تتبعها قاعة رئيسية مُحاطة بغرف صغيرة من ثلاثة جوانب، والبناء الآخر هو “قصر المعبد”، الذي تبلغ مساحة قاعته الأمامية 36.75 × 5.22 أمتار، وتتبعها قاعة كبرى بنفس الطول وبعرض 8.05 أمتار، وهي محاطة أيضاً بغرف صغيرة من ثلاثة جوانب، وعلى جانبي المدخل هناك برجان يبرزان إلى الخارج، ويبلغ عرض المدخل نحو تسعة أمتار، وارتفاعه ستة أمتار.
وينقسم المدخل إلى أربعة ممرات بواسطة أربعة أعمدة، وعلى قاعدة كل عمود حيوان ضخم من الحجر البازلتي يبلغ طوله ثلاثة أمتار، ثور في وسط الأعمدة، وعلى يساره أسد، وعلى يمينه لبوة، وفوق ظهور الحيوانات، توجد تماثيل ضخمة من الحجر نفسه يبلغ ارتفاعها 2.6 متر، وتمثّل آلهة ترتدي تيجان مخروطية مرتفعة وتحمل السقف الخشبي، ويظهر كل من الرجلين اللذين يقفان فوق الأسد والثور بقلنسوة وقميص قصير وعباءة تكشف عن الساق اليسرى، بينما ترتدي الإلهة قلنسوة وثوباً رقيقاً يكشف عن بعض أجزاء جسدها.
وعلى جانبي المدخل، هناك دعامتان، وعلى كل منهما تمثال لـ”أبي الهول”، وزُيّنت الواجهة بست لوحات من الحجر البازلتي، ثلاث من كل جانب؛ فمنها نقش لمشهد لصيد ثور، وعلى السقف صورة للشمس المشعة المجنّحة وصورة لأسد يمشي نحو اليمين، وعلى اللوحات التي على يمين المدخل توجد صورة لأسد تتوافق مع مشهد الصيد، وصورة لـ”آلهة الطقس” تتوافق مع صورة الشمس، ومشهد لصيد أيل يتوافق مع صورة الثور الوحشي.
وبعد المرور عبر المدخل والدخول إلى القاعة الأمامية، يوجد مدخل آخر للقاعة الكبرى يبلغ عرضه أربعة أمتار، وعلى كل جانب منه تمثال لتنين ضخم يبلغ طوله 2.4 متر، وفي المعبد، يوجد تمثال آخر مذهل لطائر جارح ضخم، وهو أكبر تمثال عُثر عليه في التل؛ إذ يبلغ ارتفاعه 1.84 متر، ويقف على تاج حجري على شكل زهرة ذات ثماني أوراق.
كما زُيّنت قاعدة الجدار الجنوبي وبعض أجزاء الجدران الشرقية والغربية بمئتي لوحة حجرية ملوّنة ومنقوشة بمشاهد مختلفة (وعدد اللوحات التي عُثر عليها فعلياً هو 178 لوحة)، تبلغ أبعاد كل واحدة منها حوالي 60 إلى 80 سم في الارتفاع، و45 إلى 55 سم في العرض، و20 سم في السمك، وُصفت اللوحات بالتناوب بين الحجر البازلتي الأسود والحجر الكلسي المصبوغ باللون الأحمر، وعلى كل لوحة نقش لمنظر من الحياة اليومية أو الدينية أو العسكرية؛ ومن بين هذه النقوش: فارس، أو رجلان يتقاتلان، أو صيّاد، أو عربة تجرّها خيول، أو أيل يقفز، أو تيسان يتسلقان شجرة، أو أسد مجنّح برأس إنسان، أو حيوانات تعزف على آلات موسيقية.
وفي وسط القاعة، يوجد منقل كبير مصنوع من الحديد والبرونز، يبلغ طوله 1.4 متر، وعرضه 1.2 متر، وارتفاعه 20 سم، وله أربع عجلات لتسهيل نقله، وبالقرب من “قصر المعبد”، يوجد “قصر السكن الملكي”، وهو بناء ضخم يفصله عن “قصر المعبد” بوابة كبيرة تُسمّى “بوابة العقارب”؛ لأنها مزيّنة بمنحوتتين تمثّل كل منهما كائناً غريباً له رأس إنسان وصدر طائر وجسم عقرب.











