من هواية واستعراض للمهارة إلى سلوك يهدد حياة الآخرين.. كيف تحولت شوارع وأحياء دمشق وضواحيها إلى ساحات للحركات الخطرة؟ ومن يتحمل مسؤولية حماية الأطفال واليافعين من مخاطر الطرق؟
لم تعد الدراجات النارية مجرد وسيلة نقل تساعد أصحابها على الوصول إلى وجهاتهم، بل تحولت لدى بعض الشبان واليافعين إلى وسيلة للاستعراض وتنفيذ حركات خطرة، أبرزها ما يعرف محلياً بـ”التشبيب”، حيث تُرفع العجلة الأمامية للدراجة عن الأرض، فيما يواصل السائق السير على العجلة الخلفية، وأحياناً يقف فوق الدراجة في محاولة لإظهار قدرته على التحكم بها.
وتنتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي مقاطع مصورة لسائقين، معظمهم من فئة الشباب واليافعين، وهم ينفذون حركات استعراضية بالدراجات النارية في الطرقات العامة.. وبينما ينظر بعضهم إلى هذه الممارسات باعتبارها هواية أو دليلاً على المهارة، يرى آخرون أنها مغامرة غير محسوبة العواقب.
“ماجد البج”، البالغ من العمر 21 عاماً، وهو من إحدى ضواحي دمشق، يوضح أنه يمارس “التشبيب” باعتباره هواية وموهبة تحتاج إلى التدريب والتحكم بالدراجة، ويرى أن ممارسة هذه الحركات تتطلب اختيار المكان المناسب، كأن تكون الطرقات فارغة وبعيدة عن حركة المرور.
ويعتقد “البج” أن المشكلة لا تكمن في المهارة بحد ذاتها، وإنما في ممارسة هذه الحركات وسط المدن والأحياء والشوارع المزدحمة، معتبراً أن ذلك “فعل طائش” يمكن أن يعرض صاحبه والآخرين للخطر.
لكن هذه النظرة الفردية إلى “التشبيب” بوصفه مهارة لا تلغي حقيقة أن فقدان التوازن أو السيطرة على الدراجة قد يحدث بصورة مفاجئة، حتى بالنسبة إلى السائق المتمرس، الأمر الذي يجعل الطريق العام مكاناً غير مناسب لمثل هذه الاستعراضات.
كما يرى “جمال فجر كلله”، وهو أحد الباعة في شوارع العاصمة أن انتشار “التشبيب” بات يشكل مصدر قلق للسكان، موضحاً أن المشكلة لا تتعلق فقط بأصوات المحركات المرتفعة، وإنما بالخطر الذي تفرضه الحركات المفاجئة على المشاة والسائقين.
ويبين أن السكان لا يستطيعون السير أو قيادة سياراتهم بأمان مع وجود هذه السلوكيات في الطرق العامة، مطالباً بوجود رقابة أكثر فاعلية وإجراءات رادعة، إلى جانب توفير أماكن مخصصة يستطيع فيها محبو هذه الرياضات ممارسة هواياتهم بعيداً عن الشوارع الرئيسية والمناطق السكنية.
ويتابع أن المخاطر لا تتوقف عند احتمال سقوط السائق عن الدراجة، إذ إن السير على عجلة واحدة يقلل من هامش السيطرة على المركبة، وقد يؤدي فقدان التوازن إلى الانزلاق أو الخروج عن المسار أو الاصطدام بمركبات ومارة.
كما يبين أن حساسية المسألة تزداد عندما يكون مستخدم الدراجة طفلاً أو يافعاً، فالسماح لطفل صغير بقيادة دراجة في شارع رئيسي أو طريق سريع لا يرتبط فقط بقدرته على قيادة الدراجة، بل بمدى إدراكه لمخاطر الطريق وقدرته على تقدير سرعة المركبات واتجاهاتها والتصرف في الحالات المفاجئة.
ويرى الباحث الاجتماعي “باكير باكير” أن مسؤولية الأسرة تبدأ من معرفة أماكن وجود الأطفال ورفاقهم وأنشطتهم، وتعليمهم قواعد المرور منذ الصغر، والأهم أن يلتزم الأهل أنفسهم بهذه القواعد أمام أبنائهم، لأن الطفل يتعلم السلوك المروري من الممارسة بقدر ما يتعلمه من التوجيه.
ويشير إلى أن بعض الأسر قد تتعامل مع الشارع باعتباره مساحة طبيعية للعب، في ظل ضعف تقدير المخاطر، بينما يتأثر أطفال آخرون بأقرانهم ويميلون إلى تقليد سلوكيات خطرة بهدف إثبات الذات أو الحصول على إعجاب الآخرين.
كما يرى “باكير” أن معالجة الظاهرة لا يمكن أن تعتمد على العقوبة وحدها، لأن حماية الأطفال من الحوادث المرورية تبدأ قبل وصولهم إلى الطريق.
ويشدد على أهمية توفير أماكن آمنة للعب، وإنشاء حدائق وملاعب بعيدة عن الطرق السريعة، وتخصيص مسارات للدراجات وممرات واضحة للمشاة، إلى جانب وضع المطبات والإشارات والتحذيرات في المواقع الأكثر خطورة.
كما يدعو إلى إشراك الأهل في الأنشطة المدرسية المتعلقة بالسلامة المرورية، وتنظيم زيارات للطلاب إلى مراكز المرور، وإدخال التربية المرورية ضمن العملية التعليمية بصورة عملية وليست نظرية فقط.
أما وسائل الإعلام، فيرى أن بإمكانها أداء دور مثمر في التوعية من خلال حملات عبر التلفزيون والإذاعة والمنصات الرقمية، مع الاستفادة من القصص الواقعية للحوادث، من دون تحويل معاناة الضحايا وعائلاتهم إلى مادة للاستعراض.
ويقترح كذلك تنفيذ زيارات ميدانية للمناطق الأكثر عرضة للحوادث، وإشراك الجمعيات المدنية والبلديات والشرطة في برامج توعية تستهدف الأطفال والأهالي والسائقين معاً.

مصعب أيوب
الوطن -
مواضيع:
المزيد
اخترنا لك
المزيد







