يبدو أن ظهور أول فاتورة كهرباء بعد التعديل الجديد للتسعيرة قد شكل صدمة حقيقية للمواطن السوري. هذه الصدمة ليست نتيجة رفع الدعم بحد ذاته، بل بسبب الفجوة الكبيرة بين دخل الأسرة السورية وكلفة الطاقة بعد التعديل. إذ إن أي إصلاح في قطاع الكهرباء يجب أن يُقرَأ ضمن معادلة متوازنة تجمع بين كلفة الإنتاج، قدرة الدولة المالية، والقدرة الشرائية للمواطن، وهذه المعادلة اليوم ما زالت مختلة بشكل واضح، بحسب ما أكده الدكتور عبد المعين مفتاح، الخبير والاستشاري في الإدارة والاقتصاد.
وأوضح أن التسعيرة الجديدة للكهرباء تأتي في سياق إصلاح ضروري لقطاع عانى لفترات طويلة من الدعم غير المستدام، والهدر، وضعف الاستثمار في البنية التحتية. إلا أن المشكلة الأساسية تكمن في سرعة التطبيق دون تمهيد اجتماعي واقتصادي كافٍ. ففي وقتٍ تصبح فيه فاتورة الكهرباء قادرة على استنزاف نسبة كبيرة من دخل الأسرة، نكون أمام عبء معيشي حقيقي لا يمكن تجاهله.
التأثير على محدودي الدخل

وأشار مفتاح إلى أن العائلات ذات الدخل المحدود هي الأكثر تضرراً، لأنها لا تمتلك أي هامش لامتصاص الصدمات السعرية. فالدخل الثابت، الذي بات يتآكل مع مرور الوقت، لم يعد يغطي الاحتياجات الأساسية مثل الغذاء، السكن، المواصلات، والتعليم. ومع إضافة فاتورة كهرباء مرتفعة، يدخل المواطن في معادلة قاسية عنوانها “المفاضلة بين الضروريات”، وهو ما يعتبر مؤشراً خطيراً من الناحية الاقتصادية والاجتماعية.
تفاصيل التسعيرة الجديدة
وبالأرقام قال إن كلفة الكيلوواط للشريحة الأولى تبلغ حوالي 600 ليرة سورية، فيما تصل الشريحة الثانية إلى 1400 ليرة. هذا يعني أن الأسرة السورية متوسطة الاستهلاك قد تدفع بين 800 ألف و3 ملايين ليرة سورية (قديمة)، أو أكثر من 30 ألف ليرة سورية جديدة لكل دورة قراءة. ورغم أن هذه الأرقام منطقية اقتصادياً بالنظر إلى كلفة الإنتاج، إلا أنها تشكل ضغطاً كبيراً على الأسر ذات الدخل المحدود..
التكيف الاجتماعي والنفسي
وتتطرق الخبير إلى موضوع تغير نمط الاستهلاك عند الموطن بشكل ملحوظ، حيث تراجع استخدام الأجهزة المنزلية، والتدفئة، والإضاءة، ما يعكس تكيّفاً قسرياً مع الأسعار الجديدة. ومن جانب آخر، ازداد الضغط النفسي والاجتماعي على الأسر السورية، إذ أصبح القلق من الفاتورة القادمة جزءاً من حياتهم اليومية.
ومن الناحية الاقتصادية، يظهر تأثير التسعيرة الجديدة بوضوح على القطاعات الصناعية والتجارية. ففي حين أن انخفاض تكلفة الكيلوواط الصناعي من 1700 إلى 1400 ليرة يعزز القدرة الإنتاجية ويخفض كلفة النقل، فإن ذلك قد ينعكس إيجاباً على أسعار السلع والخدمات، شريطة أن تراعي الشركات هذا الانخفاض وتجنب رفع الأسعار دون مبرر. ومن هنا، يبقى ضبط الاحتكار وتشجيع المنافسة من الأدوات الأساسية لضمان استقرار السوق.
وعن التوقعات المستقبلية يرى مفتاح أن تأثير التسعيرة لا يقتصر على الأسرة فقط، بل يمتد إلى الاقتصاد بشكل عام. إذ من المحتمل أن يؤثر ارتفاع كلفة الكهرباء على أسعار السلع والخدمات، ما لم تُتخذ إجراءات مرافقة لضبط السوق ومنع الاحتكار. ترك الأسعار دون رقابة قد يؤدي إلى موجة تضخمية جديدة، ستكون عواقبها في النهاية على حساب المستهلك.
فرصة استعادة حقول النفط والغاز
وفي المقابل، يشدد مفتاح على أن استعادة الدولة لحقول النفط والغاز تمثل فرصة اقتصادية استراتيجية، ليس فقط لتعزيز الإيرادات العامة، بل لتخفيض كلفة إنتاج الكهرباء على المدى المتوسط، وإعادة النظر في التسعير مستقبلًا. ويؤكد أن نجاح هذه الخطوة يجب أن ينعكس بشكل مباشر على حياة المواطن، سواء عبر تحسين الخدمة أو من خلال دعم موجه للفئات الأكثر هشاشة.
الإصلاح الحقيقي وتحدياته
وذكر مفتاح أن إصلاح قطاع الكهرباء ضرورة لا خلاف عليها، ولكن الإصلاح الحقيقي لا يُقاس بالأرقام فقط، بل بمدى تحقيقه للعدالة الاجتماعية. فالمواطن اليوم لا يرفض الإصلاح، بل يريد أن يشعر بأنه جزء منه، وأن تضحياته تُدار بعقلانية، وتترجم لاحقاً إلى استقرار في الخدمة وسعر يمكن تحمّله، ضمن مسار تعافٍ اقتصادي حقيقي ومستدام.








