في وقت تتصاعد فيه التهديدات الأميركية باستئناف الضربات على إيران، تبرز داخل النظام مخاوف من جبهة أخرى لا تقل حساسية، عنوانها التنافس على النفوذ بين مراكز القرار، وفي قلب هذه المخاوف حملة “جانفدا” أو “فدائيو إيران”، التي بدأت مشروعاً للتعبئة الشعبية، قبل أن تتحول إلى تشكيلات عسكرية تثير اعتراضات مسؤولين حكوميين وقيادات في الحرس الثوري.
وحسب تقرير نشره موقع “إيران واير” المعارض، فإن مسؤولين في الحكومة والمجلس الأعلى للأمن القومي وقيادات في الحرس الثوري يعارضون التوسع المتسارع للحملة، خشية أن تتحول إلى قاعدة نفوذ مسلحة يستخدمها حسين طائب، قائد الباسيج الحالي والرئيس السابق لاستخبارات الحرس الثوري، لتعزيز موقعه داخل مؤسسات السلطة.
ولا يتعلق الخلاف، وفق هذه الرواية، بجدوى تعبئة المدنيين لمواجهة التهديدات الخارجية فقط، بل أيضا بمن يملك قرار تنظيمهم وتحريكهم، وما إذا كانت هذه التشكيلات ستبقى تحت السيطرة المؤسسية أم ستصبح أداة ضغط مرتبطة بقيادة محددة.
طائب يوسع دائرة نفوذه
عاد طائب إلى الواجهة بعد توليه قيادة الباسيج، مستفيداً من علاقاته الوثيقة بالدوائر الأمنية المحيطة بالمرشد الإيراني مجتبى خامنئي، وينقل “إيران واير” عن مسؤول سابق خدم في الحرس الثوري أن طائب يقول لمشاركين ومسؤولين إنه يحظى بدعم المرشد لتوسيع المشروع، فيما يشكك مسؤولون في صحة هذه الادعاءات، ويتجنبون مواجهته علناً خشية تعميق الانقسامات.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أنه لا تتوافر أدلة مستقلة تثبت أن طائب يسعى إلى إنشاء قوة منفصلة عن قيادة الحرس، لكن الاعتراضات المنقولة تعكس قلقاً من تركز نفوذ إضافي بيده، في وقت تواجه فيه مؤسسات النظام ضغوطاً عسكرية وسياسية متزايدة.
هذه المخاوف ربما يمكن القول إنها تحمل أهمية إضافية مع انتقال الحملة من التعبئة الدعائية إلى التدريب المسلح، ففي 18 أيلول الماضي، أعلن طائب بدء تنظيم المتطوعين في كتائب ووحدات دفاعية، قبل افتتاح مركز للتدريب على الرماية واستخدام الأسلحة في طهران، مع خطة لإنشاء ألف كتيبة.
ما بعد الحرب.. موعد الحساب
تذهب تقارير وتحليلات إلى أن الحملة تخدم هدفين متداخلين، أولهما حشد المؤيدين في مواجهة التهديدات الخارجية، والآخر توسيع حضور الأجهزة الأمنية داخل المجتمع، بما يتيح مراقبة بؤر التوتر واحتواء الاحتجاجات المحتملة، لكن هذا التوسع قد يفتح أيضاً مجالاً لتنافس القيادات على شبكات الولاء والقوة المسلحة.
ووفق “إيران واير”، يفضل مسؤولون معترضون احتواء الخلاف خلال الحرب، على أمل إعادة النظر في المشروع بعد انتهائها، فيما يسعى طائب إلى تثبيت تشكيلاته على المدى الطويل.
وهنا تكمن المفارقة، فبينما تستعد إيران لاحتمال استئناف المواجهة مع واشنطن، قد تتحول أدوات التعبئة التي أُنشئت لمواجهة الخطر الخارجي إلى مصدر خلاف داخل السلطة نفسها، والسؤال الذي سيزداد إلحاحاً بعد الحرب ليس كم متطوعاً استقطبت “جانفدا”، بل من سيملك قرارها، وما إذا كانت ستبقى قوة احتياطية أم تصبح ورقة نفوذ في معركة إعادة ترتيب مراكز القرار الإيراني.
أسرة التحرير









