المزيد

‫آخر الأخبار:‬

في اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري.. سوريا تحفر في جغرافيا المقابر بحثاً عن أبنائها

‫شارك على:‬
20

في سوريا، لم يكن الاختفاء القسري مجرد وسيلة لإسكات المعارضين أو معاقبة المعتقلين، بل تحول خلال حقبة النظام البائد إلى منظومة متكاملة لانتزاع الإنسان من عائلته وتركه معلقاً بين الحياة والموت، وفي اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، لا يعود السؤال: كم شخصاً اختفى؟ بل: كم عائلة ما زالت تنتظر، وكم حقيقة لا تزال مدفونة تحت الأرض؟

وتقدر الهيئة الوطنية للمفقودين عدد المفقودين في سوريا بين 150 ألفاً و300 ألف شخص، ضمن ولاية زمنية تمتد من عام 1970 حتى اليوم، فيما وثقت الهيئة حتى العام الماضي 63 مقبرة جماعية، لكن الأرقام مهما كبرت، تبقى عاجزة عن وصف حجم المأساة؛ فخلف كل اسم أم تنتظر، وأب يفتش في الأوراق، وطفل كبر وهو لا يعرف أين ذهب والده.

فسقوط النظام لم يسقط معه الأدلة، وبعض المقابر لا تزال تنتظر الحفر، بينما بعضها الآخر تعرضت لمحاولات طمس أو تغيير للمعالم، بينما تحتاج أخرى إلى خبراء الطب الشرعي والأنثروبولوجيا وتحليل الحمض النووي كي تتحول الرفات المجهولة إلى أسماء تعود إلى عائلاتها، فمن درعا إلى القامشلي، ومن حمص إلى دير الزور، تتكرر المشهدية ذاتها؛ عظام مكسورة، وأكياس بلاستيكية، وأرقام بدل أسماء، هذه ليست مصادفة جغرافية، بل نتيجة منظومة قتل ممنهجة.

أما المعتقلات والأفرع الأمنية، فليست مجرد مبانٍ مهجورة، بل مسارح لجريمة موثقة، وتؤكد الآلية الدولية المحايدة والمستقلة أن منظومة الاحتجاز التابعة للنظام البائد كانت أداة مركزية للقمع، وارتبطت بأجهزة الاستخبارات والشرطة العسكرية والمشافي العسكرية، ووثقت التعذيب والاختفاء القسري بصورة منهجية.

وهنا يبرز اسم معتقل صيدنايا، ذلك “المسلخ البشري” كما وصفته منظمات حقوقية دولية، إذ لم يكن سوى محطة أخيرة لمن دخلوه ولم يخرجوا إلا جثثاً تُدفن في مقابر الأرقام، أو ضحايا لجريمة أشد بشاعة: سرقة الأعضاء البشرية على يد أطباء ارتبطوا بمافيات دولية للاتجار بالبشر، في صفقة دموية جمعت بين الطب والإجرام تحت مظلة النظام البائد.

ولا يقف الأمر عند حدود اعتقال البالغين وإخفائهم، فقد وثقت شهادات وتحقيقات متعددة جرائم إخفاء أطفال المعتقلين، وتغيير أسمائهم وهوياتهم ونسبهم، وانتزاعهم من عائلاتهم الحقيقية، في محاولة ممنهجة لطمس الذاكرة السورية وتفكيك نسيجها الأسري والاجتماعي.

لذلك، من الخطأ اختزال المأساة في الذين عُثر عليهم أو ثبتت وفاتهم، فجوهر الاختفاء القسري هو استمرار الجريمة ما دام المصير مجهولاً، ولهذا فإن برنامج “أثر” الذي أطلقته الهيئة الوطنية للمفقودين اليوم يمثل أكثر من منصة لتسجيل الأسماء؛ إنه محاولة لتحويل آلاف القصص المتفرقة إلى سجل وطني يمكن أن يقود إلى إجابات.

فالحقيقة، مهما تأخرت، تبقى حقاً لا يسقط بالتقادم، فلا يمكن بناء عدالة فوق قبور مجهولة، ولا طي صفحة الماضي قبل قراءة أسماء من دفنوا فيها، والعدالة هنا ليست انتقاماً، والبحث عن المفقودين ليس ترفاً إنسانياً؛ إنه اختبار لقدرة الدولة على إعادة الإنسان إلى مركز القانون.

أسرة التحرير