لم يعد اليوم العالمي للاجئين بالنسبة إلى السوريين مجرد مناسبة أممية للتذكير بسنوات النزوح والاغتراب، بل بات يحمل دلالات سياسية وإنسانية جديدة في ظل التحولات التي شهدتها البلاد بعد سقوط النظام البائد وتحرير دمشق وانطلاق مسار بناء الدولة السورية الجديدة.
فبعد سنوات كانت فيها سوريا عنواناً لأكبر أزمة لجوء في العالم، تحضر اليوم بوصفها إحدى أبرز ساحات العودة الطوعية للاجئين والنازحين، في مشهد يعكس تبدلاً عميقاً في الظروف السياسية والأمنية والاجتماعية التي دفعت ملايين السوريين إلى مغادرة وطنهم، في مشهد يعكس تحولات سياسية وإنسانية عميقة تتجاوز الأرقام والإحصاءات إلى إعادة تعريف العلاقة بين المواطن ووطنه.
والأرقام الصادرة عن المؤسسات الدولية ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تعكس جانباً من هذا التحول، فعودة مئات الآلاف من اللاجئين من دول الجوار، وعودة أعداد كبيرة من النازحين إلى مناطقهم الأصلية، مؤشر سياسي واجتماعي على استعادة الثقة بمستقبل البلاد، كما أن تسجيل سوريا بين الدول الأكثر استقطاباً للعائدين خلال الفترة الماضية يؤكد أن السوريين، رغم قسوة التجربة، ما زالوا ينظرون إلى وطنهم باعتباره المكان الطبيعي لاستئناف حياتهم وبناء مستقبل أبنائهم.

في هذا السياق، تكتسب تصريحات وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني أهمية خاصة عندما يؤكد مواصلة العمل على تمثيل اللاجئين السوريين والدفاع عن حقوقهم وصون كرامتهم في كل مكان، فالدولة السورية الجديدة لا تتعامل مع اللاجئين باعتبارهم ملفاً إنسانياً فحسب، بل باعتبارهم جزءاً أصيلاً من عملية النهوض الوطني وإعادة بناء المجتمع والدولة، لذلك فإن حماية حقوقهم وتسهيل عودتهم الآمنة والطوعية والكريمة تمثل ركناً أساسياً في الرؤية الوطنية للتعافي والاستقرار.
غير أن العودة تحتاج إلى بيئة اقتصادية وخدمية واجتماعية قادرة على استيعاب العائدين، ومن هنا تبرز أهمية البرامج الحكومية الهادفة إلى إعادة تأهيل البنى التحتية وتحسين الخدمات الأساسية وخلق فرص العمل، وتحريك عجلة الاستثمار والإنتاج، كما تبرز مبادرة “صفر خيمة” بوصفها خطوة استراتيجية تستهدف إنهاء حالة المخيمات داخل سوريا وإعادة النازحين إلى مناطقهم الأصلية معززين مكرمين، بما يعيد الاعتبار لحق الإنسان في السكن الكريم والاستقرار الاجتماعي.
كما تمثل عودة اللاجئين اختباراً حقيقياً للمجتمع الدولي، فإذا كانت الدول والمنظمات الأممية قد تحملت أعباء الاستجابة الإنسانية خلال سنوات الأزمة، فإن المرحلة الحالية تتطلب انتقالاً نحو دعم مشاريع التعافي المبكر وإعادة الإعمار والتنمية المستدامة، فالعودة المستقرة لا تنفصل عن إعادة بناء المدارس والمشافي وشبكات المياه والكهرباء والطرق، ولا عن توفير بيئة اقتصادية تمنح العائدين القدرة على العيش والإنتاج.
وفي اليوم العالمي للاجئين، تبدو الرسالة السورية أكثر وضوحاً من أي وقت مضى: إن الحل الأكثر إنسانية واستدامة لأزمة اللجوء ليس إدارة المنفى، بل معالجة أسبابه وتمكين الناس من العودة إلى أوطانهم بكرامة وأمان، وبينما لا تزال مناطق كثيرة من العالم تعاني موجات نزوح متصاعدة، تقدم سوريا اليوم نموذجاً لانتقال تدريجي من مرحلة اللجوء إلى مرحلة العودة، ومن زمن الخيام إلى زمن البناء، ومن معاناة التهجير إلى استحقاق استعادة الوطن وصناعة المستقبل.
الوطن – أسرة التحرير








