مما لا شك فيه أن تصريحات وزير الداخلية أنس خطاب تعكس مقاربة أمنية واضحة تقوم على الربط بين المشهد الميداني المتحرك في أكثر من منطقة في سوريا، وبين السياق السياسي الإقليمي والدولي الذي تمر به البلاد في هذه المرحلة الحساسة، فحديثه عن تصاعد محاولات الاستهداف في المنطقة الشرقية، وملاحقة الخلايا الإرهابية، لا يمكن فصله عن ما شهدته الأيام القليلة الماضية من تحركات متزامنة لكل من تنظيم “داعش” الإرهابي وفلول النظام البائد في أكثر من بؤرة جغرافية.
ففي الوقت الذي جرى فيه تسجيل نشاط لخلايا التنظيم في الشرق، برزت في المقابل تحركات ميدانية لفلول مسلحة في حمص وريف اللاذقية، في مشهد يصعب التعامل معه بوصفه مصادفة زمنية أو تقاطعاً عابراً في الأهداف، إذ إن تزامن هذه التحركات، واختلاف أدواتها، يشير إلى وحدة الغاية، والمتمثلة بمحاولة ضرب منسوب الاستقرار الذي بدأت الدولة بترسيخه في أكثر من ملف داخلي.
وتكتسب هذه القراءة أهمية إضافية في ظل الحديث المتزايد عن خطوات إيجابية في ملف “قسد”، بالتوازي مع مؤشرات انفراج في ملف السويداء، بما يعكس سعياً رسمياً لمعالجة القضايا العالقة عبر مقاربات سياسية وأمنية متكاملة، وليس فقط من خلال المعالجة العسكرية المباشرة.

في هذا التوقيت تحديداً، يتقاطع المشهد الداخلي مع تطورات خارجية أكثر حساسية، أبرزها الحديث عن انسحاب القوات الأمريكية من سوريا، وما يرافقه من رهانات دولية على قدرة الدولة السورية ومؤسساتها على ملء الفراغ الأمني وبسط السيطرة الكاملة على الجغرافيا السورية، وهو ما يجعل أي محاولة لخلط الأوراق أمنياً تصبّ في اتجاه التشكيك بهذه القدرة، وإرباك مسار استعادة الاستقرار.
من هنا، يمكن فهم تصريحات وزير الداخلية باعتبارها رسالة سياسية – أمنية مزدوجة، الأولى داخلية، ومفادها أن الأجهزة الأمنية تتابع المشهد بوصفه شبكة مترابطة من التحركات لا أحداثاً منفصلة؛ والثانية إلى الخارج، بأن الدولة تمسك بخيوط المتابعة الدقيقة، وتتعامل مع التحركات الإرهابية وتحركات الفلول ضمن إطار واحد عنوانه حماية مسار الاستقرار ومنع إعادة إنتاج الفوضى.
وعليه، فإن التنويه الرسمي باستمرار الملاحقة والمداهمات لا يندرج فقط في إطار العمل الأمني التقليدي، بل يأتي في سياق أوسع هدفه تحصين البلاد في لحظة مفصلية، تُختبر فيها قدرة الدولة على تثبيت الأمن كمدخل أساسي لإنجاح بقية الملفات السياسية والاجتماعية المطروحة على الطاولة.
الوطن – أسرة التحرير








