كما كان متوقعاً، لم تحسم قمة الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والصيني “شي جين بينغ” الخلافات بين واشنطن وبكين بشكل نهائي، فثلاثة أيام من المحادثات واللقاءات المكثفة لم تفضِ إلى صيغ نهائية لأبرز الملفات العالقة، ولا سيما تايوان وإيران والمنافسة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي.
فبدلاً من تسوية واسعة تعيد رسم العلاقة بين القوتين، خرجت القمة بسلسلة من التفاهمات المحددة، هدفها الأوضح، فيما يبدو، إبقاء الخلافات تحت السيطرة ومنعها من العودة سريعاً إلى التصعيد.
وكان تمديد الهدنة التجارية أبرز ما تحقق، إذ اتفق الجانبان على إبقائها حتى 10 كانون الثاني المقبل، بما يمنحهما وقتاً إضافياً لمواصلة التفاوض وتطبيق التفاهمات الاقتصادية.
كذلك، شملت الترتيبات زيادة مشتريات الصين من المنتجات الزراعية والطاقة الأميركية، إلى جانب مواصلة معالجة ملف المعادن الأرضية النادرة، أحد أهم أوراق الضغط الاقتصادي التي تمتلكها بكين.
إلا أن تمديد الهدنة لا يعني انتهاء الحرب التجارية، بل يؤكد أن الطرفين ما زالا يفضلان تأجيل نقاط الخلاف الأكثر تعقيداً، فالمعادن النادرة، رغم التفاهم على استمرار الإمدادات، بقيت موضع متابعة أميركية، فيما لم تظهر تسوية نهائية للخلافات المتعلقة بسلاسل التوريد والتكنولوجيا المتقدمة.
وفي ملف الذكاء الاصطناعي، اتفق ترامب و”شي” على إنشاء حوار ثنائي لمناقشة ما سُمّي “الذكاء الفائق”، إلى جانب قناة اتصال للتعامل مع الحوادث المرتبطة بهذه التكنولوجيا. غير أن هذا التفاهم يبقى، وفق مصادر متابعة، أقرب إلى آلية لإدارة المخاطر منه إلى اتفاق يوقف المنافسة التكنولوجية بين البلدين، التي تمتد إلى الرقائق المتقدمة والقدرات الحاسوبية وضوابط التصدير الأميركية.
من الناحية الجيوسياسية، وفيما يتعلق بمسألة تايوان، لم تشهد القمة اختراقاً يغير مواقف الطرفين، فقد جددت بكين تأكيد موقفها من الجزيرة، في حين لم تعلن واشنطن عن تغيير جوهري في سياستها تجاهها.
وبذلك بقي الملف، إلى جانب التنافس العسكري في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ضمن أكثر القضايا حساسية التي جرى بحثها من دون تسوية.
ولم يكن ملف إيران مختلفاً كثيراً، إذ اتفق الرئيسان على ضرورة منع طهران من امتلاك سلاح نووي ورفض فرض رسوم على الممرات المائية الدولية، فيما دعا “شي” للعودة إلى الحوار بين واشنطن وطهران وخفض التصعيد، لكن الخلاف بشأن الدور الصيني تجاه إيران لم يُغلق، ما يعني أن الملف بقي مفتوحاً لجولات لاحقة.
وفي الجانب العسكري، اتجهت واشنطن وبكين إلى تعزيز قنوات الاتصال بين جيشيهما لتفادي سوء التقدير وإدارة الأزمات، وهي خطوة تعكس إدراك الطرفين لحساسية المنافسة المتصاعدة، أكثر مما تعكس تراجعاً في الخلافات الأمنية.
وهكذا، بدت القمة أقرب إلى إدارة للمنافسة والخلافات منها إلى إنهائها، فترامب و”شي” نجحا في إبقاء الحوار مفتوحاً وتوسيع مساحة التفاهم الاقتصادي، لكن الملفات الأكثر ارتباطاً بمستقبل العلاقة بقيت معلقة، وبكلمات أخرى، لم تُغلق القمة أبواب الخلاف، لكنها حاولت إبقاءها مفتوحة من دون أن تتحول إلى مواجهة.
أسرة التحرير









