بينما تستعيد سورية تدريجياً خزانها الاستراتيجي في إقليم الجزيرة، لا تبدو العودة مجرد استرداد لجغرافيا مفقودة أو أرقام من النفط والقمح، بل هي مواجهة حتمية مع سؤال المصير الاقتصادي حول إمكانية تحويل هذه الموارد إلى رأس مال وطني يؤسس لعصر الصناديق السيادية بدلاً من استهلاكها في ترميم موازنات عاجزة تحت مسمى الدعم الاجتماعي. وفي هذا السياق، أكد الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، لـ “الوطن”، أن الموارد الطبيعية في الحسكة ودير الزور والرقة تكتسب أهمية استثنائية بتمثيلها نحو 40% من إنتاج النفط السوري و60% من إنتاج القطن، ما يضعنا أمام ضرورة حتمية للتحول نحو نموذج استثماري إنتاجي يقطع مع السياسات الاستهلاكية القديمة التي ميزت العقود الماضية.
ويستعرض أستاذ الاقتصاد في تحليل تاريخي كيف تحولت عوائد الموارد ما قبل عام 2011 إلى مصدر سهل لتمويل الهدر الهيكلي والعجز المزمن، حيث استُخدمت لتمويل دعم أسعار الطاقة والسلع الغذائية بشكل غير مستدام، ما خلق تشوهات عميقة أضعفت القطاعات الإنتاجية التنافسية لمصلحة اقتصاد ريعي هش وصلت مساهمة النفط فيه إلى نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي في سنوات الذروة. وقد أدت هذه السياسات تاريخياً إلى تراجع الصناعات التحويلية التي انخفضت مساهمتها من 14% عام 2000 إلى نحو 5% فقط عام 2010، ما جعل الهيكل التصديري السوري مرتهناً للمواد الخام ومكشوفاً تماماً أمام الصدمات الخارجية والعقوبات التي تسببت لاحقاً بتقليص الاقتصاد بأكثر من 60%.
ويرى محمد أن إعادة الإعمار، التي تتطلب استثمارات تقدر بمئات المليارات من الدولارات، تفرض التوجه نحو “صندوق سيادي استثماري” كخيار استراتيجي لتصحيح المسار الهيكلي. ويمكن تمويل هذا الصندوق من خلال اقتطاع نسبة محددة من عوائد النفط والغاز والصادرات الزراعية الاستراتيجية، بالإضافة إلى مساهمات المغتربين والشراكات مع الدول الصديقة. وتتلخص الأهداف الاستراتيجية لهذا الصندوق في مراحل تبدأ بتمويل البنية التحتية من طاقة ونقل، ثم الانتقال لتطوير الصناعات التحويلية القائمة على الموارد المحلية لتعظيم القيمة المضافة، مثل تكرير النفط والصناعات النسيجية والغذائية، بدلاً من التفريط بالخامات بأسعار زهيدة، وصولاً إلى دعم البحث العلمي والتكنولوجيا.

ويشدد أستاذ الاقتصاد على أن الحوكمة والشفافية تمثلان الشرط الأساسي لنجاح هذه التجربة، عبر إيجاد إطار قانوني مستقل يحمي الموارد من الاختلاس والفساد، ويخضع لإشراف برلماني ومحاسبي دقيق بتدقيق دولي. ومع الإقرار بالتحديات السياسية والاجتماعية التي قد تنتج عن تخفيض الدعم، إلا أن محمد يؤكد أن الاقتصاد السوري يقف اليوم عند مفترق طرق حاسم؛ فإما الاستمرار في النموذج الفاشل الذي قاد للآزمة، أو التحول إلى اقتصاد الإنتاج الذي يضاعف قيمة المواد الخام عدة مرات ويخلق فرص عمل دائمة تحقق السيادة الاقتصادية الحقيقية. إن الجزيرة المستعادة ليست مجرد أراضٍ وعائدات، بل هي رأس مال استراتيجي يجب استثماره للأجيال القادمة لا استهلاكه في موازنات عاجزة، وهي الفرصة التاريخية التي يقتضي الضمير الوطني عدم إهدارها.








