بعد عقود من التشوهات الاقتصادية والحصار والإدارة المركزية المشوهة، يقف الاقتصاد السوري اليوم أمام مفترق طرق حاسم في مرحلة بناء الدولة الجديدة، ومع اعتبار سياسة التعرفة الجمركية من أكثر الأدوات حساسية وتأثيراً في حياة المواطن ومستقبل الإنتاج المحلي، فمن ناحية، هي درع حماية ضروري للصناعة والزراعة المحلية الناشئة من الإغراق الخارجي، ومن ناحية أخرى، هي ضريبة استهلاك غير مباشرة تثقل كاهل المواطن الذي يعاني أصلاً انهياراً في القوة الشرائية، الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، يوضح لـ “الوطن” أن فلسفة التعرفة الجمركية في سورية الجديدة لا يمكن أن تكون مجرد أداة لجمع الإيرادات أو إغلاق الحدود، بل يجب أن تكون معادلة ذكية توازن بين تحفيز الإنتاج الوطني وعدالة الوصول إلى السلع الأساسية.
كيف نحمي المواطن لا التاجر؟
يرى أستاذ الاقتصاد أن الخطر الذي يتم طرحه حقيقي، فالتعرفة الجمركية المرتفعة – مثلاً 50 إلى 100 بالمئة على سلعة مستوردة – تخلق حاجز دخول أمام المنتج الأجنبي، لكنها قد تمنح المنتج المحلي المحمي قدرة احتكارية إذا لم يكن هناك منافس محلي آخر، وفي هذه الحالة، بدلاً من خفض السعر، يرفع المنتج المحلي سعره إلى ما يقارب سعر السلعة المستوردة مضافاً إليها الرسوم، ما يعني أن المستهلك يدفع الفارق من دون تحسن في الجودة.

ولضمان عدم تحول الحماية إلى احتكار يشير محمد إلى أنه تقترح السياسة الاقتصادية السورية الجديدة أربعة حلول،أولها التدرج الزمني للحماية، بألا تكون الحماية دائمة، بل توضع رسوم عالية في البداية لمدة سنتين مثلاً على أن تنخفض تدريجياً، وهذا يضغط على المنتج المحلي ليصبح أكثر كفاءة وإلا فسيفقد حمايته، ومن السياسات ربط الحماية بالجودة والسعر، بأن تُمنح الحماية الجمركية للسلع التي يلتزم منتجها المحلي بمعايير جودة محددة وسقف سعري عادل مقارنة بالسوق الإقليمية، تحت إشراف هيئة حماية المستهلك، وثالثها استثناء السلع التكميلية، فلا تُفرض رسوم عالية على الآلات والمواد الأولية التي يحتاجها المنتج المحلي نفسه، ففرض رسوم على الحديد الخام مثلاً يعني ارتفاع سعر كل منتج محلي يصنع منه، وهذا يقتل الصناعة من الداخل، والسياسة الرابعة تفتيت الاحتكارات، بأن تمنح الدولة التسهيلات الجمركية لأكثر من منتج محلي في القطاع نفسه، وتفرض غرامات احتكارية على أي جهة تستخدم الحماية الجمركية لرفع الأسعار بدلاً من توسيع الإنتاج.
مضيفاً: باختصار، الحماية وحدها لا تصنع صناعة، فالحماية مضافاً إليها المنافسة المحلية ومراقبة الأسعار هي ما يحمي المواطن.
التعرفة المثلى من منظور الجيب الفارغ
يوضح محمد أنه في بلد مثل سورية، حيث الدخل منخفض والقوة الشرائية مهشمة، فإن أي رسم جمركي على سلعة أساسية – قمح، دواء، وقود، ألبسة شتوية – يتحول مباشرة من رسم على الاستيراد إلى ضريبة على الجوع والبرد، والاستيراد الضروري ليس رفاهية، بل هو حياة لشريحة واسعة ما دام الإنتاج المحلي لا يغطي الحاجة نوعاً ولا كماً.
ولتحديد التعرفة المثلى، يقترح محمد صيغة عملية تقوم على أربعة محاور، منها التعرفة ذات المستويين أو ثنائية السلم، بأن تُعفى الشريحة الأولى من الرسوم الجمركية أو تُفرض برمز رمزي يتراوح بين 1 و 5 بالمئة على جميع السلع الأساسية والغذائية والدوائية ومستلزمات الإنتاج الزراعي التي لا ينتجها المحلي بكميات كافية، مثل الأرز والعدس والأدوية المنقذة للحياة وحليب الأطفال. بينما تُفرض رسوم متوسطة إلى عالية تتراوح بين 15 و40 بالمئة على الشريحة الثانية التي تضم السلع الكمالية أو المنافسة التي لها بديل محلي مقبول الجودة وتغطي كميته السوق، مثل بعض أنواع الأجبان والمنظفات والألبسة الموسمية.
وشرط الجودة والكمية، بألا تُفرض رسوم حماية على منتج محلي لا يستطيع تلبية أكثر من 60 بالمئة من احتياج السوق، وبجودة لا تقل عن 80 بالمئة من المواصفة القياسية للمنتج المستورد، وهذا يمنع الاحتكار ويبقي المستورد بديلاً منظماً.
ومرونة التعرفة، بأن تُخفّض الرسوم بشكل تلقائي عبر آلية نصف سنوية في مواسم النقص على السلع التي يثبت نقصها في الأسواق المحلية، مهما كانت حماية الصناعة لها، بينما تُرفع الرسوم مؤقتاً في مواسم الفائض لحماية الفلاح أو الصانع المحلي، وأن يتم تعويض المواطن مباشرة، وبما أن التعرفة تبقى كلفة على المستهلك، فيجب تخصيص جزء من إيرادات الجمارك لدعم مباشر عبر بطاقة دعم ذكية للفئات الأفقر، بحيث إذا ارتفع سعر سلعة مستوردة بسبب رسوم الحماية، يُعوّض المواطن نقداً أو بكوبونات، لا أن تُترك الأسعار تتفلت.
وخلاصة القول، التعرفة المثلى ليست ثابتة، بل ديناميكية، وهي التي تجعل سعر السلعة المستوردة أغلى قليلاً من المحلية وليس مستحيلاً، مع إعفاء تام لما لا بديل منه.
ويرى محمد أن سياسة التعرفة الجمركية في مرحلة بناء الدولة الجديدة يجب أن تنتقل من فلسفة الجباية والمنع إلى فلسفة الحماية الذكية والعدالة الاجتماعية، فلا توجد تعرفة آمنة بنسبة 100 بالمئة، ولكن هناك قاعدة ذهبية لا تُكسر: كلما ضعفت القوة الشرائية، زادت مرونة التعرفة واتسعت دائرة الإعفاءات للسلع الأساسية، وكلما تقدم الإنتاج المحلي، زادت صرامة الحماية المشروطة بالجودة.
أما الرؤية الوطنية لبناء الدولة الجديدة فتقوم على أن أي حماية جمركية لا تصب في النهاية في خفض السعر النهائي للمواطن وتحسين جودة المنتج السوري، هي مجرد إعاقة للاستيراد وترخيص للغلاء. والدولة السورية الجديدة التي تحمي مواطنها هي التي تستثمر إيرادات الجمارك في تطوير النقل والطاقة لتخفيض كلف الإنتاج المحلي، وتمنع استيراد الرديء لا استيراد الضروري، وتفتح نافذة استيراد موازية منافسة عندما يتحول التاجر المحلي المحمي إلى محتكر.
وختم بالقول محمد بالقول: التعرفة الجمركية ليست هدفاً، بل وسيلة، والمواطن السوري الذي يدفع ثمن السلعة من جيبه الفارغ هو صاحب القرار النهائي، وإن نجحنا في جعل سعر القلم السوري والمعلب السوري والدواء السوري أقل وأفضل من المستورد، فسنحتاج إلى حماية قليلة أو معدومة، أما إذا استخدمنا الجمارك جداراً للتغطية على عجز الإنتاج المحلي، فسنكون قد حمينا المصانع وأفلسنا المواطنين، فالدولة تُبنى بإرادة الإنتاج، لا بجدران الجمارك.








