يبدو أن قيمة الهُدن في الشرق الأوسط، لا تُقاس بعدد الأيام التي تصمد فيها، بل بقدرتها على تنظيم الصراع ومنع انفجاره الكامل، من هذه الزاوية فإن الهدنة المتعثرة بين الولايات المتحدة وإيران أقرب إلى “إدارة للمواجهة” منها إلى مشروع سلام حقيقي.
التطورات الأخيرة، من تبادل الضربات والاتهامات بخرق التفاهمات، وصولاً إلى الصواريخ التي قالت واشنطن إن طهران أطلقتها باتجاه الكويت والبحرين، تكشف، كما ترى مصادر سياسية متابعة، أن الطرفين يتحركان داخل مساحة “رمادية دقيقة” تسمح بإيصال الرسائل الاستراتيجية من دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
ووفق المصادر، فإن التصعيد الحالي لا يعكس انهياراً كاملاً لقواعد الاشتباك بقدر ما يكشف إعادة تعريفها، فإيران، التي تقول إنها تستهدف القواعد الأميركية في المنطقة، تحاول ترسيخ معادلة مفادها أن أي ضغط سياسي أو اقتصادي لن يبقى بلا تكلفة أمنية، في المقابل، تحرص الولايات المتحدة على إظهار قدرتها على الاحتواء والردع معاً، من خلال التأكيد على اعتراض الصواريخ ونفي وقوع أضرار مؤثرة في منشآتها العسكرية.

في هذا السياق، تبدو المنطقة أمام نموذج جديد من الصراعات لا يسعى فيه الخصمان إلى الانتصار بقدر ما يسعيان إلى منع الطرف الآخر من الادعاء بأنه انتصر، لذلك فإن السؤال المطروح لم يعد هل ستندلع الحرب؟ بل ما حجم التصعيد الذي يستطيع كل طرف تحمله قبل أن يصبح التراجع أكثر تكلفة من المواجهة؟
وهنا يبرز إدخال مضيق “هرمز” مجدداً إلى معادلة الضغط المتبادل، فعندما يحمَل الحرس الثوري الإيراني الولايات المتحدة مسؤولية إغلاق المضيق، فإنه لا يتحدث عن ممر مائي حيوي فقط، بل عن ورقة نفوذ عالمية، فهرمز لم يعد مجرد شريان للطاقة، بل تحول إلى مؤشر سياسي يقيس مستوى التوتر بين القوى الكبرى.
وبهذا المعنى، يمكن فهم حساسية تصريحات وزير الخزانة الأميركي التي ربطت بين التوصل إلى اتفاق مع إيران واستقرار أسعار النفط، إذ إن معركة الطرفين لم تعد تدور حول الأمن فقط، بل حول من يملك القدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي.
وفي هذا الإطار، ربما من المفيد العودة إلى ما قاله (سابقاً) الدبلوماسي الأميركي الراحل هنري كيسنجر: إن “الهدنة ليست نهاية الصراع، بل طريقة مختلفة لإدارته”، ولعل هذا الوصف يلخص المشهد الراهن بدقة، فواشنطن وطهران لا تبدوان مستعدتين للسلام الكامل، لكنهما في الوقت نفسه تدركان أن الحرب الشاملة تحمل أثماناً تتجاوز قدرتهما على التحكم بنتائجها.
لهذا تبدو المنطقة اليوم عالقة بين خيارين لا يرغب أحد في الوصول إلى أي منهما، سلام مؤجل لا تتوافر شروطه، وحرب مؤجلة لا يجرؤ أحد على إشعالها، وبين التأجيلين، يستمر التصعيد بوصفه اللغة الوحيدة التي ما زالت قادرة على إدارة التوازن الهش بين الخصوم.
الوطن – أسرة التحرير








