تبدو المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران اليوم أنموذجاً لتوازن القوى الدقيق، إن صح التعبير، حيث تتطور الأحداث بوتيرة متسارعة مع محاولات كل طرف لفرض قوته دون الوصول إلى صراع شامل، وفي هذا السياق أعلنت القيادة الوسطى الأميركية “سنتكوم” أن “موجة ثانية من الطائرات المسيرة الإيرانية، حاولت مهاجمة القوات الأميركية في الكويت خلال الليلة الماضية، فشلت في إصابة أهدافها”، بعد تمكن الدفاعات الجوية الأميركية من إسقاط عدد منها.
وفي الوقت نفسه، أشارت القيادة إلى أن إيران أطلقت عدة صواريخ باتجاه دول مجاورة، حيث سقط صاروخان كانا متجهين نحو الكويت قبل بلوغهما الهدف، بينما اعترضت قوات الدفاع الجوي الأميركية والبحرينية ثلاثة صواريخ أطلقت باتجاه البحرين، في مشهد يعكس تصعيداً ملموساً، إذ لم تعد المواجهة مقتصرة على البيانات الإعلامية، بل امتدت إلى سماء المنطقة، حيث أصبحت الطائرات المسيّرة والصواريخ جزءاً من المواجهة الأخيرة بين الطرفين.
من منظور استراتيجي، يرى خبراء أن ما يجري يعكس معادلة دقيقة، فإيران تسعى لإظهار قدرتها على الرد وعدم السماح بمرور أي استهداف لمصالحها دون ثمن، في حين تحرص الولايات المتحدة على حماية قواتها وحلفائها والحفاظ على هيبتها العسكرية، وهنا لا بد من الإشارة الى أن معظم الهجمات لم تسفر عن خسائر بشرية أو أضرار كبيرة، ما يوحي بأن الطرفين يتحركان ضمن حدود معينة، محاولين إرسال رسائل قوة متبادلة دون الوصول إلى تصعيد شامل.

على الضفة المقابلة، أعلن الحرس الثوري الإيراني أن هجومه على الأسطول الخامس الأميركي جاء “رداً على استهداف أميركا برج اتصالات تابع له جنوب جزيرة قشم”، بينما حذرت الولايات المتحدة من أي تهديد محتمل، مؤكدة “الجاهزية الدائمة للتصدي لأي تهديدات”، هذا التبادل، كما يرى الخبراء، يظهر أن كل طرف يوجه رسائل مزدوجة، داخلياً لتأكيد القوة أمام جمهوره، وخارجياً لتحديد خطوط الاشتباك مع الخصم.
بناء على ذلك، من المرجح أن تستمر سياسة “الرد المحدود مقابل الرد المحدود”، حيث ستواصل إيران استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ لإرسال رسائل الضغط، بينما سترد الولايات المتحدة بضربات “انتقائية” على الأهداف التي ترى فيها تهديداً مباشراً، ومع ذلك، يبقى احتمال الخطأ في التقديرات أو وقوع إصابات كبيرة عاملاً مهماً، قد يؤدي إلى تصعيد خارج السيطرة، خاصة في مناطق حيوية مثل الكويت والبحرين، حيث تتواجد قواعد أميركية.
في النتيجة، يبدو أن المنطقة أمام مرحلة طويلة ما يمكن وصفه بـ “التوتر المحسوب”، حيث تبقى القوات الأميركية وإيران في مواجهة دقيقة، يحاول خلالها كل طرف الحفاظ على صورته القوية وتجنب الانزلاق إلى صراع شامل، مع استمرار السيناريو المتكرر لكل صاروخ أو طائرة مسيرة جديدة، كما أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن المواجهة ليست مجرد تبادل للضربات، بل معركة رمزية تُظهر قدرة كل طرف على الردع والضغط ضمن حدود دقيقة يمكن أن تتغير بسرعة في حال أي خطأ في التقدير.
الوطن – أسرة التحرير








