تزامنُ إعلان الولايات المتحدة استمرار المفاوضات اللبنانية– الإسرائيلية وبدء جولة جديدة غداً، مع احتدام النقاش السياسي في لبنان بعد الإعلان عن توقيع الاتفاق الإطاري أعاد طرح تساؤل جوهري حول طبيعة المرحلة التي دخلها هذا الملف، فالحدثان يبدوان متوازيين في التوقيت، لكنهما يلتقيان عند نقطة واحدة، وهي أن أي مسار تفاوضي لا يمكن فصله عن البيئة السياسية التي سيتعين عليه أن يشق طريقه داخلها.
الإعلان الأميركي حمل في مضمونه إشارة واضحة إلى أن الاتفاق الإطاري لا يمثل نهاية العملية السياسية، بل بداية مرحلة تتطلب استكمال البحث في ملفات لا تزال بحاجة إلى تفاهمات وآليات تنفيذ وضمانات متبادلة، ومن هنا، فإن الإصرار على مواصلة التفاوض يعكس قناعة لدى الوسطاء بأن الوصول إلى تفاهم أولي لا يكفي ما لم يتحول إلى خطوات قابلة للتطبيق وتحظى بحد أدنى من الاستقرار السياسي.
في الداخل اللبناني، كشف الاتفاق حجم التباين في مقاربة هذا الملف، فهناك من يرى أن أي فرصة لخفض التوتر وفتح المجال أمام إعادة تثبيت دور الدولة تستحق المتابعة، وخصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية والمالية التي يعيشها لبنان، وفي المقابل، تعَدُ قوى أخرى أن القضايا المرتبطة بالأمن والسيادة لا يمكن التعامل معها بمنطق المراحل، وأن أي التزام جديد يجب أن يسبقه توافق وطني واسع يحدد الثوابت التي ينطلق منها لبنان في أي مفاوضات.

هذا التباين ليس جديداً على الحياة السياسية اللبنانية، لكنه يكتسب، كما ترى مصادر لبنانية متابعة، أهمية أكبر عندما يتزامن مع مسار تفاوضي حساس يحظى بمتابعة دولية مباشرة، فالوسيط يدرك أن أي اتفاق لن تقاس قيمته بعدد البنود التي يتضمنها، وإنما بمدى قدرة الأطراف على الالتزام به عند الانتقال من مرحلة التفاهمات إلى مرحلة التنفيذ.
من هنا، يمكن فهم الإعلان عن جولة جديدة من المفاوضات تعبيراً عن رغبة في المحافظة على الزخم السياسي ومنع عودة الملف إلى نقطة الصفر، فاستمرار الحوار يمنح جميع الأطراف وقتاً إضافياُ لمعالجة النقاط الخلافية، كما يسمح بمراقبة ردود الفعل الداخلية والإقليمية قبل الانتقال إلى خطوات أكثر حساسية.
ولا يبدو أن الحكومة اللبنانية معنية اليوم، حسب المصادر، بإدارة التفاوض بقدر اهتمامها بإدارة المشهد الداخلي الذي يرافقه، فالتحدي لا يقتصر على صياغة موقف تفاوضي متماسك، بل يشمل الحفاظ على الحد الأدنى من التوازن السياسي، بما يمنع تحوّل الاختلاف في الرأي إلى مصدر تعطيل أو توتر ينعكس على مؤسسات الدولة.
في هذا السياق، قد يكون من المبكر إصدار أحكام نهائية بشأن مآلات الاتفاق، فالمفاوضات بطبيعتها تمر بمراحل من التقدم والتباطؤ، وتتأثر بعوامل داخلية وإقليمية يصعب التحكم بها بصورة كاملة، لذلك، فإن استمرار اللقاءات قد يعني أن الطريق لا يزال مفتوحاً أمام معالجة القضايا العالقة، كما قد يعكس رغبة في إبقاء باب الحلول قائماً إلى أن تنضج الظروف السياسية اللازمة.
بناء على ذلك، تبدو المرحلة الحالية أقرب إلى اختبار لقدرة جميع الأطراف على الفصل بين إدارة الخلاف السياسي وإدارة المصلحة الوطنية، فكلما نجحت المؤسسات اللبنانية في احتواء التباينات ضمن الأطر الدستورية والسياسية، ازدادت فرص تحويل أي تفاهم خارجي إلى عنصر استقرار، بدلاً من أن يصبح مادة جديدة للانقسام الداخلي، وهذا هو العامل الذي سيحدد في النهاية ما إذا كانت جولات التفاوض المقبلة ستفتح صفحة مختلفة، أم ستبقى تدور في دائرة المواقف المتقابلة.
الوطن – أسرة التحرير








