الوطن – أسرة التحرير
من نيويورك إلى مدريد، ترسم أحدث مشاركات سوريا صورة سياسة خارجية تتقدم بخطوات متوازنة نحو استعادة حضورها الدولي، عبر الانخراط في ملفات تحظى بأولوية عالمية، وفي مقدمها مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والأمن السيبراني، ما يعكس تنوعاً في أدوات الانفتاح وآليات بناء العلاقات مع مختلف الشركاء الدوليين.
ويأتي هذا الحضور في سياق مقاربة تبنّتها الإدارة السورية الجديدة منذ إسقاط نظام بشار الأسد، تقوم على الانفتاح على مختلف الدول والمؤسسات الدولية، والابتعاد عن سياسة المحاور التي حكمت السياسة الخارجية السورية لسنوات طويلة، فبدلاً من حصر العلاقات ضمن تكتلات سياسية بعينها، باتت دمشق تتحرك وفق نهج أكثر توازناً، يضع المصالح المشتركة والتعاون العملي في مواجهة التحديات العابرة للحدود في صدارة أولوياته.
وتبرز مشاركة رئيس جهاز المخابرات العامة حسين السلامة في المؤتمر الرابع الرفيع المستوى لرؤساء وكالات مكافحة الإرهاب في مقر الأمم المتحدة بنيويورك بوصفها محطة ذات دلالات سياسية ومؤسسية في آن واحد، فالمؤتمر، الذي يجمع كبار المسؤولين المعنيين بمكافحة الإرهاب من مختلف الدول، يمثل واحداً من أبرز المنصات الدولية المخصصة لتنسيق الجهود في مواجهة التهديدات الإرهابية الوشيكة، فيما تشكل مشاركة مسؤول سوري بهذا المستوى للمرة الأولى منذ إطلاق المؤتمر عام 2018 مؤشراً على اتساع مساحة التفاعل بين سوريا والمنظومة الدولية في هذا الملف.
وتزداد أهمية هذه المشاركة إذا ما قُرئت إلى جانب الفعالية التي استضافتها البعثة السورية الدائمة لدى الأمم المتحدة، بالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب والاتحاد الأوروبي، والتي ناقشت نهج سوريا الجديد في مكافحة تنظيم “داعش”، بحضور مسؤولين أمميين وأوروبيين وممثلي الدول الأعضاء، في تحرك يظهر انتقال التعاون من الإطار الثنائي الضيق إلى فضاء متعدد الأطراف، وهو ما يمنح السياسة السورية بعداً أكثر انفتاحاً وقدرة على بناء شراكات مع جهات دولية متنوعة.
وفي الاتجاه ذاته، جاءت مشاركة وفد وزارة الداخلية في الندوة العلمية التي استضافتها أكاديمية الشرطة في مدريد لتؤكد أن الانفتاح السوري لا يقتصر على الجانب السياسي، بل يمتد إلى التعاون المهني والتقني في القضايا الأمنية المستحدثة، فالتركيز على قضايا مثل تتبع العملات الرقمية، والتحقيقات المالية، وتحليل الأدلة الرقمية، وآليات التعاون في الجرائم العابرة للحدود، يعكس اهتماماً بمواكبة التحولات التي تشهدها أنماط الجريمة المنظمة، والاستفادة من الخبرات الدولية في تطوير القدرات الوطنية، ما يعزز كفاءة مؤسسات إنفاذ القانون في التعامل مع التحديات الحديثة.
وتشير هذه التحركات مجتمعة إلى أن دمشق تسعى إلى ترسيخ حضورها الدولي من خلال الملفات التي تشكل أرضية مشتركة للتعاون مع مختلف الدول، بعيداً عن الاعتبارات الأيديولوجية أو الاصطفافات السياسية التي طبعت مرحلة سابقة، كما أن استضافة مؤسسات أممية وأوروبية لهذه المشاركات، وإشراك مسؤولين سوريين في نقاشات رفيعة المستوى، تمثل مستوى متنامياً من الثقة في قدرة سوريا على الإسهام في الجهود الدولية الرامية إلى مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.
وبينما اتسمت السنوات الماضية بانكماش الحضور السوري نتيجة خيارات سياسية ضيّقت هامش الحركة الخارجية، توحي المؤشرات الحالية بأن الإدارة الجديدة تعمل على إعادة بناء شبكة علاقاتها على أسس أكثر توازناً وواقعية، مستفيدة من القواسم المشتركة التي تتيحها ملفات الأمن ومكافحة الإرهاب والجريمة الإلكترونية، ويبدو أن هذا النهج لا يفتح المجال أمام انفتاح سوري على العالم فقط، بل يواكبه أيضاً انفتاح متزايد من المجتمع الدولي على دمشق، ما قد يؤسس لمرحلة جديدة من التعاون تقوم على الثقة المتبادلة والشراكة العملية في مواجهة التحديات المشتركة.






