استكمالاً لسلسة المجتمعات القديمة في سوريا ومواقعها الأثرية التي ينظمها “ملتقى الآثاريين السوريين”، قدّمت الدّكتورة منى أبو آذان محاضرة غنية بعنوان “إعادة بناء نماذج الاستيطان والعمارة في سوريا خلال ثقافة “حلف” بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي”، وذلك بالقاعة الدّمشقية في المتحف الوطني.
أمّا موقع “حلف” فيعود إلى العصر الحجري النّحاسي، واكتشفه العالم الألماني “ماكس فون اوبنهايم” في عام 1899 بمحافظة الحسكة، عندما زار الموقع ووجد فيه فخاراً ملوّناً ورقيقاً، وهو ما يميز ثقافة “حلف” بحسب الدكتورة أبو آذان، فقالت: “أيضاً لهذه الثقافة مميزات أخرى بالعمارة والدفن والفنون والدراسة، وكان هناك نقاشات دائمة حول أصول هذه الثقافة إن كانت محلية أصيلة أم أنها وافدة من الرافدين أو الأناضول، وحول ماهيتها هل هي متجانسة بالمظاهر الحضارية أم هي تخصص إقليمي، أيّ لكلّ منطقة سمة معينة، ومنذ بداية دراسة هذه الثقافة وحتى عام 2013 وما تزال الدراسات موجودة، سنقرأ تسميات متعددة منها حسب الموقع مثل إقليم الخابور وروافد نهر الفرات أو تلك المسماة على الموقع نفسه مثل سهل العاصي، هذه التسميات بحسب كلّ منطقة وكلّ باحث”.
أمّا الإطار الجغرافي لهذه الثقافة، فأوضحت أبو آذان: “ثقافة “حلف” محلية، والنّواة المركزية للمواقع هي الجزيرة الفراتية، والاكتشاف الأول كان بموقع “تل حلف”، لكن هناك مواقع أخرى اكتشفت وأوضحت أن ثقافة “حلف” محلية، هي صبي أبيض على الفرات و”تل داغس” في دير الزور، وتنتشر هذه الثقافة أيضاً في السّاحل بموقع “رأس شمرا” وحوض العاصي والحدود الجنوبية لثقافة حلف قرب دمشق، ما يعني أنّ هذه الثّقافة كان لها امتداد على خلاف الدراسات القديمة التي قالت بتركزها في الشّمال فقط، وخارج سوريا امتدت ثقافة “حلف” في العراق وساحل البحر المتوسط من الجهة الشمالية والأناضول، وجورجيا.. أي هي ثقافة واسعة الانتشار وضخمة الملامح”.

وبالحديث عن الهوية الحضارية لثقافة “حلف”، قالت الدكتورة أبو آذان: “التأريخ ضمن فترة “الكاكوليت الباكر” خلال الألف السادس قبل الميلاد، والتقسيمات بحسب دراسة الفخار، وقد تمّ تمييز خمس مراحل حسب الدّراسات الحديثة وهي “طلائع حلف”، ثمّ “حلف الباكر”، فـ”حلف الوسيط”، و”حلف الأخير”، يتبعها مرحلة “حلف عبيد الانتقالية”، وحسب اكتشاف عام 2006 أضيفت فترتان هما بداية الثقافة ونهاية الثقافة، أمّا مناخ حلف فساعد على الزراعة والرعي والصيد، ولا سيّما أنّها توزّعت جغرافياً في مناطق ومواقع طبيعة مختلفة التضاريس، فهناك السّهول والوديان والبادية، وكان هناك تركيز للإقامة حول مصادر المياه، وارتبطت المواقع بوجود عنصر الصوان والقار والطين والأصداف التي وظّفها الإنسان بصناعة أدواته المختلفة، وتنوّعت الحيوانات والنباتات حسب تنوع البيئة والطبيعة، وبالنّسبة إلى نمطية المعاش جمعت بين الصّيد والرّعي وما بين الزّراعة والتدجين، أي هذه الثقافة جمعت بين المجتمعات المستهلكة والمنتجة معاً”.
وأكدت الاقتصاد والإدارة في ثقافة “حلف”، اعتمدتا على أدوات حجرية مصنوعة بعناية فائقة من خام الصوان وخام “الأوكسديان” المستورد من الأناضول، ما يدلل على العلاقات التّجارية، أيضاً هناك أدوات عظمية ومغازل دلّت على نشاط النسيج، وتشكيلات طينية تستخدم في مجالات مختلفة مترافقة مع أختام مصنوعة من الأوكسديان وهي مثقوبة، كما نرى نظاماً للتخرين بالسلال والفخاريات، وهذه يتمّ ختمها وتمييزها عمّا إذا كانت ملكية فردية أم عامة”.
وتشير الفخاريات الفريدة والمتميزة إلى وجود حياة فنية وموسيقية، ويُعتقد أنّ الرّسومات المتنوعة المرسومة على الآنية الفخارية الضخمة الموجودة في متحف الرقة إلى وجود طقوس عقائدية واحتفالية، بيّنت الدكتورة أبو آذان: “يُثبت على الآنية الفخارية جلد في الأعلى والضّرب عليها يعطي صوتاً، وعليها رسومات مرتبطة برؤوس الثّيران تدلل على طقوس عقائدية، أيضاً رسومات صفوف من النّساء بشكلٍ متتالٍ وأحياناً مترابط يدل على الاحتفالات، كذلك هناك تمثيل للدّمى البشرية الأنثوية والذّكورية.. الحياة الفنية غنية، ودراسة الفخار واسعة جداً وما تزال حتى اليوم الأبحاث ترفدنا بالمزيد، وأثبتت هذه الدراسات تقنية صناعة الفخار في ثقافة حلف، وهي يدوية مصنوعة من عجينة نقية جيداً من الشّوائب، لذلك وُصف بأنّه أروع ما أُنتج في عصور ما قبل التّاريخ”.
كذلك تنوّعت العمارة في ثقافة حلف بين نماذج العمارة المستطيلة والدائرية، وهي متعددة الأحجام حسب مكانة سكّانها الاجتماعية، أمّا المواقع التي ظهرت فيها هذه العمارة فهي بحسب ما وضحت الدكتورة أبو آذان: صبي أبيض، و”حلف”، وعربيد، و”شاغار بازر”، و”حالونة”، وأم قصير وغيرها، وأضافت: “هناك محددات ومؤشرات تتحكم بشكل أنموذج الاستيطان، ونحكم عليه من خلال حجم الموقع ومدة الاستيطان ومصادر البقاء، فهناك أنموذج مستقر أي سُكن لأجيال عدة، وأنموذج متنقّل، ونصف مستقل كان المستوطنون يترددون عليه بأكثر من موسم وأكثر من مرة، وهنا لا بدّ من التّنويه بوجود نماذج من العمارة المقببة في سوريا إلى اليوم، ما يعني أنّ ثقافة حلف مستمرة حتى الوقت الحاضر، وقد عُرضت صورة لقرية اكتشفت في حمص التقطت في عام 2015 وقرية مهجورة في ريف حلب ملتقطة في 2022”.
وبالانتقال إلى توليد نماذج الاستيطان هذه بالذّكاء الاصطناعي، فقد عرضت المحاضرة قرية يمارس سكانها الرعي وصناعة الفخار، وأنموذجاً لمستوطنة متنقلة، ومستوطنة مرتبطة أكثر بالمكان وفيها كلّ النّشاطات، مبينة إيجابيات وسلبيات استخدام الذّكاء الاصطناعي في توليد هذه النّماذج وإعادة تمثيلها، قالت: “الإيجابيات هي القدرة على تأليف مشهد، وتحويل النّص إلى صورة، والقدرة على التّحريك، والسّماح بالتّحليل، وإمكانية دمج العناصر، وإضافة العنصر البشري والأحياء، والمساهمة في التّوثيق والدّراسات الأثرية والمقارنة، والقدرة على النّشر والمشاركة والمساهمة في الاستدامة، وأمّا السّلبيات فتكمن في غياب المنظور الهندسي وضعف التّكوين، ولغة الآلة واختلاف التّرجمة، وعدد محدد أو توقيت محدد واسترجاع جلسات العمل، وعدم القدرة على التّمييز وإضفاء وحدة المظهر أو السّمة، وقصور في تغيّرات الزّمن والمكان، ومحدودية المعطيات الأثرية والاعتماد على الزّمن الحاضر، كذلك التّأثير على الهوية الثّقافية وعدم الحفاظ على الخصوصية أو الأصالة”.
الوطن ـ نجوى صليبه








