“تسوى عمري” عبارة حب فراتية تفتتح فيها الروائية والقاصة أماني المانع روايتها “ليناي” الصادرة، مؤخراً، عن “دار الرموز العربية”، وللمفارقة هي العبارة ذاتها التي حبستها بطلة الرواية “ناي” عندما قابلت “نوفل” الذي أحبته يوماً، لتطلعه على بطل روايتها وفي بالها الانتقام منه بالكتابة، لكنها تراجعت عندما رأته يخفف من آلام إحدى بنات الهوى التي عرفهن ويرشدها إلى الطريق السّوي، مشهد يجعلها تعود بذاكرتها إلى لقائهما الأول الذي ذهبت إليه بعد أن قرأت إعلاناً عن فرصة عمل في وسائل التواصل الاجتماعي، وهناك قابلها وسألها أسئلة حرّكت كلّ دفين في قلبها وروحها، وبدأت الحرب الداخلية معاركها: “هل الأسئلة توقظ ما مات فينا أو اندثر أو ما كان فينا وكنا نجهله؟.. هل لامس هذا الغريب الجزر المدفونة في كينونتها؟ ومن الذي دفنها؟ ولماذا لم تكتشفها إلا بعد الأسئلة؟”.
تاهت حتى وجدت نفسها ذات يوم تسأل سائق سيارة أجرة عن مواصفات شريكة حياته، وعمّا إذا كان يرى فيها أنثى حلم لرجل ما، ليأتيها الجواب بأنّه يريد زوجة جميلة وتجيد الطبخ ومتعلمة وبنت ناس لكي تكون أماً صالحة، أما هي فجميلة ومشهورة وتحتاج إلى رجل يتقبل شهرتها وسفرها وإعجاب الآخرين فيها، وهنا تصرح المانع لنا بالقول: “(ناي) بطلة مطلقة تحمل ثالوثاً رسالياً مقدساً؛ فهي صوت المرأة في كفاحها من أجل الكينونة، وهي تجسيد حي للوطن في كبريائه وأوجاعه، وهي ابنة الفرات الملتصقة بالطين والانتماء، وتمثل المقاومة الوجدانية الصامتة، تلك التي ترفض الانسلاخ عن هويتها الوطنية والعاطفية”.
ليست هذه المشكلة الوحيدة التي تعانيها الأنثى في مجتمعاتنا والتي تطرقت إليها الروائية، بل هناك الكثير كالنفاق الذي يعيشه البعض، فيتلوّن بحسب المواقف والأماكن، كشقيقها المهاجر الذي اتصلت فيه لتخبره أنها أصبحت في مدينة أخرى من أجل مقابلة عمل وهي في الحقيقة ذاهبة لتقابل “نوفل” بعد سنوات غياب، وهنا بدأت سلسلة الأسئلة، لماذا بعد كل هذه الشهرة تكذب عليه؟ هل هي عقدة سلطة الأخ الأكبر والوريث الوحيد للحياة؟ وهل ما زالت ترى فيه الأخ الذي كان كبقية شباب الفرات يحلف بالعرض والشرف وينتخي بإخوة فلانة وفلانة، وتضيف: “ألم يصبح بعد الحرب الشاب الذي هاجر وتزوج من امرأة أجنبية غريبة بفكرها ولغتها ومعتقداتها وأساليب حياتها، كذلك الأمر بالنسبة إلى “نوفل” الذي عُرف بعلاقاته ومغامراته النسائية الكثيرة، لكنه عندما عاد من بلد المهجر، أخبر “ناي” أنه عندما عاش في المخيمات تزوج من “امرأة فاضلة” كما حرص على تسميتها، وبسؤالها عن هذه الشخصية أيضاً تقول المانع: “(نوفل) يمثل المنعطف الفكري والتنويري في مسيرة البطلة، فكان بوابتها نحو الوعي والاتساع العقلي، وأعاد صياغة بصرها لتدرك الألوان والظلال في الحياة، ومنح عالمها أبعاداً إدراكية مختلفة حين كانت الرؤية ضبابية، ومع ذلك، تتجلى تراجيديا النص في تبنيه خيار العقل الصارم حين اختار امرأة أخرى، متناقضاً مع نبض قلبه الذي ظل معلقاً بـ”ناي”؛ هذا الشرخ العاطفي جعل من “ناي” موانئ مغلقة، حيث أوصدت أبواب قلبها خلفه إلى الأبد، ليتحول حبهما إلى جرح حي يثبت أن أصعب الخيارات هي تلك التي تنحاز للمنطق على حساب الروح”.

مواضيع جريئة تعد تمرداً على المجتمع، وقد لا تروق للكثيرين، كحديثها عن التحرش بالفتيات في الحافلات وكيف أنهن في معظم الأوقات يصمتن لكيلا تُوجه إليهن أصابع الاتهام ومن ثمّ رصاصة تنهي حياتها، لتنتقل من همّوم البنات إلى هموم مجتمع بأكمله تقول: “حدثته عن حروب أخرى تبعت نهاية الحرب في سوريا، والسعي إلى الأمان والسكون والحلال ورحلة البحث عن حياة من دون قلق وخوف واضطراب، وأعباء لم يكن مفترضاً على الشباب والأطفال والشيوخ حملها لولا الحرب، عن بلد لم تُهزم بالحرب، إنما بعدد القتلى والمفقودين وبانعدام القدرة الاقتصادية لعيش الأحياء”.
تحتفي المانع باللهجة والتراث الفراتي، تقول: “ناجت “ناي” حبيبها بدلال الفرات فأخبرته أنها تحبه بلغات قبائلها البدوية والفراتية وبكل الظواهر الصوتية بلهجة أرضها ولهجة قلبها، ولا تطلب منه سوى أن يسمعها بالكشكشة وهي ظاهرة تميزها كامرأة فراتية كلمة “أحبج” المنطوقة والمكتوبة أن يصغي بحواسه للكلمات التي ما زالت بلهجتها باقية من حضارات سالفة مثل كلمة “مو” حين تسأله: “مو تحبني؟”، وعندما يمازحها “نوفل” بلهجتها يسألها: كيف حال حبابة؟ أي جدتها”، إلى قولها: “كل نساء الفرات بحكم الشجن المسيطر على عيونهن وملامحهن وعواطفهن كوالات، والكوالات هن نساء فراتيات كن في الماضي يقلن الكلام البديع من الشعر والأمثال والحكم في الأفراح والأحزان والمناسبات”.
وتغوص المانع في ذاكرتها وتنبش منها كل ما يخصّ البيئة الفراتية لا كمفردات فحسب بل كعادات اجتماعية وطقوس يومية ومأكل ومشرب ومسكن وتراث لامادي من حكايات شتوية، هذه الذّاكرة التي تحتفظ برائحة كل شيء، وبسؤالها عن البيئة وإلى أي مدى يمكن للكاتب أن يكون حقيقياً في نقلها، تجيب المانع: “تدور أحداث الرواية في دير الزور وفي محافظة سورية أخرى لم تُحدد، وفي خارج سوريا.. بالنسبة إلي تتجاوز الجغرافيا حدود المفهوم المكاني الضيق لتتحول إلى كينونة وهُوية تتماهى مع جسد النص؛ فـ”الفرات” هنا ليس مجرد نهر يمر، بل شريان الحياة، ورمز الثبات والتدفق الروحي الذي يستمد منه العمل أصالته، والإبداع الحقيقي يتطلب من الأديب أن يغرس جذوره في تربة واقعه حتى النخاع ليمتص صدق المشاعر والملامح، لكنه في الوقت ذاته، مطالب بالتحليق فوق هذا الواقع ليعيد صياغته برؤية فلسفية وجمالية.. الكاتب لا ينقل الواقع كما هو، بل يغربله من خلال وعيه، ليحول الحكاية المحلية الفراتية إلى ملحمة إنسانية كونية، يجد فيها كل إنسان اغترابه، وبحثه عن الهوية، وانكسارات قلبه”.
ولكن لا بد من معالجة الجراح وجبر الخواطر والقلوب وتجاوز كل الأزمات البدء من جديد، لذلك اختارت الراوية والروائية “السطر الأخير في حكاية “ناي” وكتبته في آخر قصة ومسرحية ومعزوفة ولوحة وحياة ثم رمت الأوراق في نهر الفرات ومضت”.
الوطن ـ نجوى صليبه







