شهد قطاع التعليم العالي خلال عام منصرم بعد التحرير من النظام البائد، حراكاً واسعاً اتسم بقرارات مؤسسية وإدارية وأكاديمية عكست توجهاً واضحاً نحو إعادة تنظيم المنظومة الجامعية وتعزيز قدرتها على مواكبة المتطلبات العلمية والمجتمعية.
ويمكن القول: إن هذا العام شكّّل مرحلة انتقالية دقيقة، نقلت القطاع من حالة التشتت الإداري إلى مسار أكثر انسجاماً، من دون أن تلغي التحديات العميقة التي لا تزال تقيّد تطور الجامعات ودورها العلمي.
وفي إضاءة حول عمل الوزارة خلال هذه المرحلة بعد مرور عام عن انتصار الثورة السورية، قال الباحث الأكاديمي في “التعليم العالي” مصعب الشبيب: إن قرار دمج الجامعات والمعاهد في الشمال السوري في مقدمة المحطات المفصلية لهذا العام، لإسهامه في إنهاء حالة التعددية المؤسسية التي تراكمت عبر السنوات، وإعادة المرجعيات التعليمية إلى قنوات موحٔدة أكثر قدرة على إدارة الموارد وتنسيق العمل.

مضيفاً: شمل ذلك دمج جامعات حلب الحرة والشهباء ضمن الجامعات الأم، وربط جميع المعاهد المتوسطة بالمجلس الأعلى للمعاهد، إلى جانب إخضاع الجامعات الخاصة لإشراف مباشر من مجلس التعليم العالي، في خطوة أنهت حالة التشتت الإداري ودفعت نحو مزيد من الاتساق المؤسسي.
وأكد الشبيب أن ذلك جاء بالتوازي مع حزمة من التغييرات الإدارية واسعة النطاق، والتي شملت قيادات الجامعات وعمادات الكليات ورؤساء الأقسام، بما أتاح ضخ دماء جديدة في مفاصل الإدارة الجامعية والحد من الترهّل المتراكم.
ونوه البجث إلى أن العام شهد نشاطاً ميدانياً لافتاً تمثّل في زيارات دورية قام بها الوزير ونوّابه إلى الجامعات بهدف الاطلاع المباشر على المخابر والبنى التعليمية واحتياجات الطلاب، ورافق إحدى هذه الجولات وضع حجر الأساس لمدينة جامعية سكنية في إدلب بتمويل من دولة قطر الشقيقة، وهو مشروع يحمل أبعاداً تنموية تتصل بالاستقرار الطلابي والبيئة التعليمية.
وعلى صعيد الأكاديمي لفت الشبيب إلى اتخاذ مجموعة من الخطوات التي انعكست بصورة مباشرة على الطلاب، من أبرزها افتتاح كليات وأقسام جديدة، وإحداث كليات للشريعة في عدد من الجامعات، وفتح باب التجسير في جامعة إدلب لمن تجاوز معدلهم 65 بالمئة، سواء في التعليم العام أم الموازي، إضافة إلى معالجة مشكلات تراكمت خلال السنوات الماضية، ومنها السماح بعودة الطلاب المنقطعين لاستكمال دراستهم، مما عكس ارتياحاً عاماً لدى شريحة واسعة من الطلاب التي كانت تخضع للابتزاز والتهديد من النظام البائد.
ومن المحطات الجديرة بالاهتمام هو اعتماد المفاضلة الرقمية الموحّدة لأول مرة، وهو تحوّل مهم في آليات القبول الجامعي، رغم المشكلات التقنية التي ظهرت في التطبيق الأول.
ولفت إلى أهمية قرار إلغاء شرط شر علامات من الشهادات الثانوية غير السورية، ما خفّف كثيراً من أعباء القبول على الطلبة العائدين من الخارج.
وتطرق الباحث إلى النشاط الملحوظ في العلاقة بين الوزارة والطلاب، من خلال التعامل مع الاعتصامات الطلابية بمستوى عالٍ من الحوار، من دون تضييق، في دلالة على سعي مؤسسي نحو تكريس ثقافة النقاش واحترام الرأي في المؤسسات التعليمية. وعلى الرغم من الحراك الواسع والقرارات التي حملت طابعاً إصلاحياً، لا تزال الجامعات تواجه مجموعة من العقبات التي تتطلب حلولاً أكثر عمقاً.
ومع تزايد أعداد الطلاب وتراجع الموارد، بات النقص في الكوادر التدريسية والفنية أحد أبرز التحديات، الأمر الذي يجعل فتح مسابقات معيدين وتعيينات جديدة ضرورة لا يمكن تأجيلها، يضاف إلى ذلك بطء إصدار التعليمات التنفيذية المتعلقة ببعض القرارات، مثل دمج جامعة حلب الحرة، ما تسبب بارتباكات إدارية ومالية أثّرت في مسار عدد من الطلاب والموظفين على حد قول الباحث.
وأكد أن مشكلات تقنية وإجرائية رافقت تجربة المفاضلة الإلكترونية، حيث واجه الطلاب صعوبات في ترتيب الرغبات بسبب ضعف الشبكات وعدم كفاية الوعي التقني، ما يستدعي تطويراً أكبر في البنية الرقمية والتدريب الطلابي.
هذا ويتطلع المجتمع الجامعي (طلاباً وأساتذة وإداريين) إلى أن يشهد العام المقبل انتقال الإصلاحات من مستوى القرارات إلى مستوى الأثر الفعلي، وفي مقدمة هذه التطلعات إطلاق مسابقات معيدين بشكل منتظم، وفتح باب التعيين لأعضاء هيئة التدريس والفنيين لسد النقص المتزايد، من دون أن ننكر العقبات التي واجهت مسار التعليم العالي والرهانات القادمة، والتي سيتم التطرق لها قريباً حسب الشبيب وبالمقارنة بينما تحقق من إيجابيات ولا يزال قائماً من تحديات، يمكن البناء على الإرادة الجادة التي تبديها وزارة التعليم العالي، بوصفها جزءاً من حكومة سورية حرة نشأت من قلب معاناة السوريين وتطلعاتهم، ومن هذا المنطلق، تبدو الآمال واسعة بأن يحمل العام المقبل مزيداً من الإنجازات والإصلاحات التي تليق بتضحيات الشعب وطموحات طلابه وجامعاته.
الوطن – فادي بك الشريف








