بعد أربعة عشر عاماً، ما زالت مجزرة الجورة والقصور في دير الزور حاضرة في ذاكرة أهلها، ففي 25 أيلول عام 2012، وعلى مدى ثلاثة أيام، شهد الحيان واحدة من أكثر الوقائع دموية خلال سنوات الثورة، بعدما تعرض المدنيون لعمليات قتل واقتحام وتفتيش وانتهاكات واسعة على يد قوات النظام البائد، أسفرت عن مئات الشهداء والجرحى.
ففي ذلك اليوم، تقدمت قوات تابعة للنظام البائد، بينها عناصر من اللواء 105 في الحرس الجمهوري، نحو حيّي الجورة والقصور من ثلاثة محاور، بعد قصف بالمدفعية والدبابات، وترافق الاقتحام مع انتشار القناصة وإطلاق النار على المدنيين، وتفتيش المنازل، وعمليات قتل وإعدام ميداني، إضافة إلى اعتداءات وسلب للممتلكات، وفق شهادات ناجين وثقتها الذاكرة المحلية.
وتكشف شهادات الناجين حجم المأساة من تفاصيلها اليومية، فقد تحدثوا عن قناصة استهدفوا المدنيين في الشوارع ومداخل الأبنية، وعن أشخاص خرجوا لإسعاف ذويهم أو تأمين احتياجات عائلاتهم فلم يعودوا، كما رووا أن قوات النظام قتلت شباناً داخل منازلهم، وأعدمت آخرين بطرق مختلفة، بينهم من قضوا حرقاً داخل أحد أفران حي الجورة.
وتحدث ناجون عن عائلات بأكملها سقط أفرادها خلال عمليات اقتحام وتفتيش رافقتها أعمال سرقة واعتداء، ومع انتشار القناصة في أحياء المدينة، أصبح الخروج من المنزل مخاطرة قد تنتهي برصاصة، وتحولت الشوارع إلى مساحات يتعذر عبورها حتى لمن أراد الوصول إلى جريح أو انتشال جثة.
وفي حي القصور، امتدت الحملة إلى عمليات قتل وتفتيش واسعة، فيما تحولت فترات الهدوء المؤقت إلى فرصة للسكان لجمع الجثث ودفنها، ويروي ناجون أنهم اضطروا إلى دفن أكثر من جثة في القبر الواحد، فيما امتلأت حدائق ومواقع أخرى بالقبور، وكان الدفن يتم في ظروف شديدة القسوة وبعيداً عن أعين القوات المنتشرة في المدينة.
وبقيت آثار المجزرة حاضرة لدى العائلات التي فقدت أبناءها أو لم تعرف مصيرهم، ولا يزال عدد من الأشخاص في عداد المفقودين، فيما تحمل عائلاتهم أسئلة مفتوحة عن مصيرهم وما جرى لهم، ومن هنا تستعيد الذكرى معناها اليوم قضية تتصل بالحقيقة والمسؤولية وإنصاف الضحايا، إلى جانب توثيق ما حدث للأجيال المقبلة.
وفي ذكرى المجزرة، أكد رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية عبد الباسط عبد اللطيف حق أهالي الضحايا في معرفة الحقيقة وتحديد المسؤوليات وإنصافهم وفق القانون، وقال: “دير الزور، التي دفعت ثمناً باهظاً من دم أبنائها، تستحق عدالة تحفظ ذاكرتها، وتكشف الحقيقة، وتحدد المسؤوليات، وتنصف الضحايا وفق القانون”.
وتضع الهيئة بذلك معرفة الحقيقة في صلب حقوق ذوي الضحايا، إلى جانب تحديد المسؤوليات وإنصاف من تضرروا، فالعدالة بالنسبة إلى العائلات تبدأ أيضاً بمعرفة ما جرى ومصير المفقودين، وتوثيق الوقائع وحفظ شهادات من عاشوا المجزرة، وعندما تُحفظ هذه التفاصيل في سجل موثق، يصبح من الصعب طمس الجريمة أو اختزالها في مجرد أرقام.
وبعد أربعة عشر عاماً، ما زالت الجورة والقصور تحملان أسماء الذين غابوا في تلك الأيام، فيما تحفظ شهادات الناجين تفاصيل لا تختصرها أعداد الضحايا، وبين ذاكرة متمسكة بحقها في الحقيقة ومسار عدالة يسعى إلى توثيق الجرائم وتحديد المسؤوليات، يبقى إنصاف الضحايا مرتبطاً بحفظ ما حدث كما عاشه أهل المدينة، وبمنح ذويهم حقهم في معرفة الحقيقة والعدالة.
أسرة التحرير









