أما وقد تحوّل مسار «مدونة السلوك الإعلامي» الصادرة إلى حدث وطني يُناقش عبر الجغرافيا الافتراضية للسوريين ومنظماتهم، فلا بأس من طرح مزيد من وجهات النظر في سياقها الإعلامي: كحدث، وواقعة، وفعالية.
إذ يعلم الجميع أن ورشات عديدة عُقدت قبل أشهر في المحافظات السورية، بمشاركة عدد من الصحفيين.
هنا يحقّ التساؤل: هل كان واجب اللجنة المنظّمة دعوة جميع الصحفيين من أبناء كل محافظة؟ أم يُفترض بالصحفي المنتمي إلى هذه الجغرافيا أن يمدّ يده بالسؤال والاستفسار والطلب و«الحركشة»، سواء مع اللجنة أم مع زملائه الذين يتواصل معهم في كل شاردة وواردة، ويستقي منهم المعلومة أو الخبر؟

هذا جزء من وظيفة الصحفي؛ حين يكون أمام حدثٍ ما، يبحث عن مزيد من التفاصيل، ويتوسّع، ويُحيط، وصولًا إلى إعداد تقريره أو إشباع فضوله المعرفي. فلماذا لم يحدث ذلك؟
من حقّ البعض ألّا يحصر نفسه بجغرافيا حمص أو الحسكة أو درعا، لكن الورشات انتقلت لاحقاً إلى مركز العاصمة، ثم إلى عدد من المؤسسات الإعلامية، صحيح أن البعض ليس عضواً فيها ولا من كوادرها، لكن الورشات انتقلت إلى اتحاد الصحفيين السوريين، ثم شارك أعضاء من رابطة الصحفيين، وصولاً إلى ورشات «أونلاين» لبعض المقيمين خارج الحدود. وخلال ستة أشهر، ظلّ الحدث يتنقّل إعلامياً عبر التقارير ووسائل التواصل الاجتماعي والمشافهة، وتناقل الناس أخبار المدونة وأشبعوها نقاشاً على حواف لجانها.
فهل تجيز أعراف المهنة لمن لم يطّلع ويشارك ويُحيط علماً أن يبني موقفاً ضدّيًا، مجتزأً ورافضاً، بعيد إعلانها خلال الأيام الماضية؟
هل تضبط المدونة الخطاب العام؟
قد تفيد المدونة في حصر بعض النقاش العام في إطاره المهني، فلا يُنصّب الناشط الفيسبوكي نفسه قاضياً، ولا يتحوّل الصحفي الفقير بالمعلومات إلى شاهدٍ يُعتدّ برأيه كحجّة. كما قد تلعب دوراً — عبر لجانها، وللمرة الأولى في سوريا المنهكة، في التخفيف من خطاب الكراهية العابر، والتنميط، والتنمر، والتوصيف الإقصائي.
وذلك بدءاً من النصح والمساءلة، وصولاً إلى المحاسبة — وإن تعذّرت أحياناً — لكنها ستؤرشف وترصد عبر تقاريرها الدورية، بالأسماء والحسابات والبثوث، قوائم الأعلى خطورة على السلم الأهلي في سوريا، وقد تُشيد بمن عمل ضمن أصعب الظروف لتوطيد وتعزيز الحالة المجتمعية.
أعتقد أننا، للمرة الأولى، قد نغادر مرحلة غياب الالتزام وضوابطه، وإشكالية حرية الكلمة ومسؤولياتها، ونتجه معاً نحو تعزيز معايير المهنية والمسؤولية في الخطاب الصحفي. فمدونات السلوك ليست مجرد نصوص، بل التزام أخلاقي يحمي حرية التعبير، ويصون المصداقية، ويعزّز ثقة الجمهور بالمؤسسات الإعلامية، ويضمن بيئة عمل تحترم الصحفي وتدعم رسالته الوطنية.
أهمية المدونة بأنها جاءت ثمرة مشاركة صحفيين مستقلين وممثلين عن مؤسسات عامة وخاصة. وقد اعتبرتها وزارة العدل وثيقة استرشادية غير ملزمة قانونياً، تعمل بدايةً على مبدأ الالتزام الذاتي والتصحيح قبل العقاب.
هل تتعارض أم تفيد القانون؟
المدونة لا تتعارض مع القانون العام ولا مع حقّ المتضرر في التقاضي، رغم أن إحدى أبرز إشكاليات الوسط الإعلامي تكمن في لغته الحمّالة للأوجه، القابلة للتأويل، الماهرة في العبور بين هوامش العبارات وغاياتها؛ وهنا تبدو المدونة ولجانها الأقرب للفصل، وصولاً إلى رأيٍ غالبٍ من أهل الاختصاص، خدمةً للعدالة حين تُطرق أبوابها.
وفي الشاهد التاريخي أنه سبق للخليفة عمر بن الخطاب أن استأنس برأي أهل الشعر حين أشكل عليه قول الشاعر الحطيئة في الزبرقان:
دعِ المكارمَ لا ترحلْ لبُغيتها واقعدْ فإنك أنتَ الطاعمُ الكاسي
المحاكم تلجأ عادةً إلى جهاتٍ ولجان اختصاصية من خارجها في كثير من القضايا، ومنها قضايا الذم والقدح والتشهير وجرائم النشر والإعلام. ويُسمّى هذا الإجراء «الخبرة القضائية» أو الاستعانة بأهل الاختصاص.
وهو مبدأ راسخ، لأن القاضي مختص بالقانون، بينما تحتاج بعض المسائل إلى خبرة تقنية أو مهنية أو لغوية أو إعلامية، وهو ما يؤكد أهمية مثل هذه المدونات، حتى إن لم تحمل صفة الإلزام.
الحالة السورية وظروفها الانتقالية، تجيز صدور مثل هذه المدونات الإعلامية عن جهة تنفيذية، والجميع يعرف أن وزارة الإعلام لم تكن أكثر من شريك ممثّل للإعلام الوطني الناشئ، ومساندٍ لوجستياً، نظراً لافتقار النقابات والهيئات المهنية إلى البنى والإمكانات.
الأهم برأيي أننا “حصلنا على العنب بدل الاقتتال مع الناطور” وما علينا جميعا ككوادر صحفية إلا أن نمد أيدينا للاحتضان، فننخرط باللجان المنبثقة، ونخوض غمار التجربة، ونقبل على شرف المحاولة، فنعطي ما نعرف، ونتعلم الموازنة الصعبة في التجربة الفريدة بحساسيتها وظروفها، والأهم أن نجرب جميعاً مغادرة مرحلة وخطاب أحادي فرضته ظروف السنوات العجاف وحرب النظام البائد على السوريين، وتقسيمهم لطوائف وملل ومذاهب وتقترب لمساحات الخطاب الجامع لمصلحة بلد يرجو التعافي.






